أثر بيانه للعلمية : (وَنُيَسِّرُكَ) أي نجعلك أنت مهيا مسهلا ملينا موفقا (لِلْيُسْرى ) أي في حفظ الوحي وتدبره وغير ذلك من الطرائق والحالات كلها التي هي لينة سهلة خفيفة ـ كما أشار إليه قوله : «كل ميسر لما خلق له» (١) ولهذا لم يقل : ونيسر لك ، لأنه هو مطبوع على حبها.
ولما كمله صلىاللهعليهوسلم وهيأه سبحانه وتعالى للأيسر ويسره غاية التيسير ، سبب عنه وجوب التذكير لكل أحد في كل حالة تكميلا لغيره شفقة على خلق الله بعد لما له في نفسه فإن لله ساعات له فيها نفحات تقضى فيها الحاجات ، وذلك لأنه قد صار كالطبيب الحاذق في علاج المرضى فيقوم بنفع عباده لشكره بعد ذكره بإذن منه إشارة إلى أن التلميذ يحتاج إلى إذن المشايخ وتزكيتهم ، وإلى أن أعظم الأدواء أن يقتصر الإنسان على ما عنده ولا يطلب الازدياد مما ليس عنده من خير الزاد فقال تعالى : (فَذَكِّرْ) أي بهذا الذكر الحكيم ، وعبر بأداة الشك إفهاما للإطلاق الكليّ فقال : (إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ) أي إن جوزت نفعها وترجيته ولو كان على وجه ضعيف ـ بما أشار إليه تأنيث الفعل بعد ما أفادته أداة الشك ، ولا شك أن الإنسان لعدم علمه الغيب لا يقطع بعدم نفع أحد بل لا يزال على رجاء منه وإن استبعده ، ولهذا كان النبي صلىاللهعليهوسلم لا يزال يدعو إلى الله تعالى وإن اشتد الأمر ، ولا يحقر أحدا أن يدعوه ولا ييأس من أحد وإن اشتد عليه ، والأمر بالإعراض عمن تولى ونحو ذلك إنما هو بالإعراض عن الحزن عليه ومن تقطيع النفس لأجله حسرات ونحو ذلك.
ولما أمره بالتذكير لكل أحد ، قسم الناس له إلى قسمين : قسم يقبل العلاج ، وقسم لا يقبله ، إعلاما بأنه سبحانه وتعالى عالم بكل من القسمين جملة وأفرادا على التعيين ولم يزل عالما بذلك ، ولكنه لم يعين ابتلاء منه لعباده لتقوم له الحجة عليهم بما يتعارفونه بينهم وله الحجة البالغة ، فقال حاثا على شكر الجوائح من العقل ونحوه والجوارح من القلب واللسان وغيرهما : (سَيَذَّكَّرُ) أي بوعد لا خلف فيه ولو على أخفى وجوه التذكير ـ بما أشار إليه الإدغام (مَنْ يَخْشى) أي في جبلته نوع خشية ، وهو السعيد لما قدر له في نفسه من السعادة العظمى لقبول الحنيفية السمحة فيذكر ما يعلم منها في نفسه فيتعظ ، فإن الخشية حاملة على كل خير فيتنعم بقلبه وقالبه في الجنة العليا ويحيى فيها حياة طيبة من غير سقم ولا توى ، دائما بلا آخر وانتهاء.
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٥٩٦ و ٧٥٥١ ومسلم ٢٦٤٩ وأبو داود ٤٧٠٩ والطبراني في الكبير ١٨ / ٢٦٦ وابن حبان ٣٣٣ وأبو نعيم في الحلية ٦ / ٢٩٤ وأحمد ٤ / ٤٣١ من حديث عمران بن حصين.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
