بحيث لا يقر لهم قرار ، قال : (وَإِذَا الْكَواكِبُ) أي النجوم الصغار والكبار كلها الغراء الزاهرة المتوقدة توقد النار المرصعة ترصيع المسامير في الأشياء المتماسكة التي دبر الله في دار الأسباب بها الفصول الأربعة والليل والنهار ، وغير ذلك من المقاصد الكبار ، وكانت محفوظة بانتظام السماء (انْتَثَرَتْ) أي تساقطت متفرقة كما يتساقط الدر من السلك إذا انقطع تساقطا كأنه لسرعته لا يحتاج إلى فعل فاعل لقوة تداعيه إلى التساقط.
ولما كان إخباره بما دل على وهي السماء مشعرا بوهي الأرض لأنها أتقن منها وأشرف إذ هي للأرض بمنزلة الذكر للأنثى ، وكان الانفعال ربما أوهم أن ذلك يكون بغير فاعل ، صرح بوهي الأرض معبرا بالبناء للمفعول دلالة على أن الكل بفعله ، وأن ذلك عليه يسير ، فقال مخبرا بانفطار الأراضي أيضا ليجمع بين التخويف بالمطل والترويع بالمقل : (وَإِذَا الْبِحارُ) المتفرقة في الأرض وهي ضابطة لها أتم ضبط لنفع العباد على كثرتها (فُجِّرَتْ) أي تفجيرا كثيرا بزوال ما بينها من البرازخ الحائلة ، وقال الربيع : بفيضها وخروج مائها عن حدوده فاختلط بعضها ببعض من ملحها وعذبها فصارت بحرا واحدا ، فصارت الأرض كلها ماء ولا سماء ولا أرض فأين المفر.
ولما كان ذلك مقتضيا لغمر القبور فأوهم أن أهلها لا يقومون كما كان العرب يعتقدون أن من مات فات ، قال دافعا لذلك على نمط كلام القادرين إشارة إلى سهولة ذلك عليه : (وَإِذَا الْقُبُورُ) أي مع ذلك كله (بُعْثِرَتْ) أي نبش ترابها على أسهل وجه عن أهلها فقاموا أحياء كما كانوا ، فرأوا ما أفظعهم وهالهم وروّعهم.
ولما كانت هذه الشروط كلها التي جعلت أشراطا على الساعة موجبة لعلوم دقيقة ، وتكشف كل واحدة منها عن أمور عجيبة ، وكانت كلها دالة على الانتقال من هذه الدار إلى دار أخرى لخراب هذه الدار ، ناسب أن يجيب «إذا» بقوله : (عَلِمَتْ نَفْسٌ) أي جميع النفوس بالإنباء بالحساب وبما يجعل لها سبحانه بقوة التركيب من ملكة للاستحضار كما قال تعالى : (فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ) والدال على إرادة العموم التعبير بالتنكير في سياق التخويف والتحذير مع العلم بأن النفوس كلها في علم مثل هذا وجهله على حد سواء ، فمهما ثبت للبعض ثبت للكل ، ولعله نكر إشارة إلى أنه ينبغي لمن وهبه الله عقلا أن يجوّز أنه هو المراد فيخاف : (ما قَدَّمَتْ) أي من عمل (وَأَخَّرَتْ) أي جميع ما عملت من خير أو شر أو غيرهما ، أو ما قدمت قبل الموت وما أخرت من سنة تبقى بعده.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : هذه السورة كأنها من تمام سورة التكوير لاتحاد القصد فاتصالها بها واضح وقد مضى نظير هذا ـ انتهى.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
