سببا لإحضار القدير إياه لها في ذلك اليوم محفوظا لم يغب عنه منها ذرة من خيره وشره ، فلأجل ذلك كان لكل امرىء شأن يغنيه ، فإنه لا بد أن يكون في أعماله ما لا يرضيه وما يستصغره عن حضرة العلي الكبير ، فمن اعتقد ذلك رغب في أن لا يحضر إلا ما يسره ، ورهب في إحضار ما يسوءه فيضره ، وجميع هذه الأشياء الاثني عشر المعدودة المذكورة في حيز «إذا» في الآخرة بعد النفخة الثانية على ما تقدم في الحاقة أنه الظاهر ، وأنه رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما ، لأن التهويل بعد القيام أنسب ، وأدخل في الحكمة وأغرب.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما قال سبحانه (فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) [عبس : ٣٣ ـ ٣٤] الآيات إلى آخر السورة ، كان مظنة لاستفهام السائل عن الوقوع ومتى يكون؟ فقال تعالى : (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) [التكوير : ١] ووقوع تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال وتعطيل العشار كل ذلك متقدم على فرار المرء من أخيه وأمه وأبيه ـ إلى ما ذكر إلى آخر السورة لاتصال ما ذكر في مطلع سورة التكوير بقيام الساعة ، فيصح أن يكون أمارة للأول وعلما عليه ـ انتهى.
ولما كان السياق للترهيب ، وكان الأليق بآخر عبس أن يكون للكفرة ، وكان أعظم ما يحضره الكفرة من أعمالهم بعد الشرك التكذيب بالحق ، وأعظمه التكذيب بالقرآن ، وذلك التكذيب هو الذي جمع الخزي كله للمكذب به في قوله (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) [عبس : ١٧] الذي السياق كله له ، وإنما استحق المكذب به ذلك لأن التكذيب به يوقع في كل حرج مع أنه لا شيء أظهر منه في أنه كلام الله لما له من الرونق والجمع للحكم والأحكام والمعارف التي لا يقدر على جمعها على ذلك الوجه وترتيبها ذلك الترتيب إلا الله ، ثم وراء ذلك كله أنه معجز ، سبب عن هذا التهديد قوله مقسما بما دل على عظيم قدر المقسم عليه بترك الإقسام بأشياء هي من الإجلال والإعظام في أسنى مقام : (فَلا أُقْسِمُ) أي لأجل حقية القرآن لأن الأمر فيه غنىّ عن قسم لشدة ظهوره وانتشار نوره ، ولذلك أشار إلى عيوب تلحق هذه الأشياء التي ذكرها والقرآن منزه عن كل شائبة نقص ، لأنه كلام الملك الأعلى فقال : (بِالْخُنَّسِ) أي الكواكب التي يتأخر طلوعها عن طلوع الشمس فتغيب في النهار لغلبة ضياء الشمس لها ، وهي النجوم ذوات الأنواء التي كانوا يعظمونها بنسبة الأمطار والرحمة ـ التي ينزلها الله ـ إليها ، قالوا : وهي القمر فعطارد فالزهرة فالشمس فالمريخ فالمشتري فزحل وقد نظمها بعضهم متدليا فقال :
|
زحل اشترى مريخه من شمسه |
|
فتزهرت لعطارد أقمار |
ثم أبدل منها أعظمها فقال : (الْجَوارِ الْكُنَّسِ) أي السيارة التي تختفي وتغيب
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
