يكون تأديبا لأمر بمعروف ليتوصل بصورة شر قليل ظاهر إلى خير كثير قال : (لِتُضَيِّقُوا) أي تضييقا بالغا لا شبهة في كونه كذلك مستعليا (عَلَيْهِنَ) حتى يلجئهن ذلك إلى الخروج. ولما كانت النفقة واجبة للرجعية ، وكانت عدتها تارة بالأقراء وتارة بالأشهر وتارة بالحمل ، وكان ربما توهم أن ما بعد الثلاثة الأشهر من مدة الحمل للرجعية وجميع المدة لغيرها لا يجب الإنفاق فيه قال : (وَإِنْ كُنَ) أي المعتدات (أُولاتِ حَمْلٍ) أي من الأزواج كيف ما كانت العدة من موت أو طلاق بائن أو رجعي (فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ) وإن مضت الأشهر (حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) فإن العلة الاعتداد بالحمل ، وهذه الشرطية تدل على اختصاص الحوامل من بين المعتدات البوائن بوجوب النفقة.
ولما غيى سبحانه وجوب الإنفاق بالوضع ، وكانت قد تريد إرضاع ولدها ، وكان اشتغالها بإرضاعه يفوت عليها كثيرا من مقاصدها ويكسرها ، جبرها بأن قال حاثا على مكافأة الأخوان على الإحسان مشيرا بأداة الشك إلى أنه لا يجيب عليها الإرضاع : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ) وبين أن النسب للرجال بقوله تعالى : (لَكُمْ) أي بأجرة بعد انقطاع علقة النكاح (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) على ذلك الإرضاع. ولما كان ما يتعلق بالنساء من مثل ذلك موضع المشاجرة لا سيما أمر الرضاع ، وكان الخطر في أمره شديدا ، وكان الله تعالى قد رحم هذه الأمة بأنه يحرك لكل متشاححين من يأمرهما بخير لا سيما في أمر الولد رحمة له قال مشيرا إلى ذلك : (وَأْتَمِرُوا) أي ليأمر بعضكم بعضا في الإرضاع والأجر فيه وغير ذلك وليقبل بعضكم أمر بعض ، وزادهم رغبة في ذلك بقوله : (بَيْنَكُمْ) أي إن هذا الخير لا يعدوكم ، وأكد ذلك بقوله : (بِمَعْرُوفٍ) ونكره سبحانه تحقيقا على الأمة بالرضى بالمستطاع ، وهو يكون مع الخلق بالإنصاف ، ومع النفس بالخلاف ، ومع الحق بالاعتراف.
ولما كان ذلك موجبا للمياسرة ، وكان قد يوجد في الناس من الغالب عليه الشر ، قال مشيرا بالتعبير بأداة الشك إلى أن ذلك وإن وجد فهو قليل عاطفا على ما تقديره : فإن تياسرتم فهو حظكم وأنتم جديرون بسماع هذا الوعد بذلك : (وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ) أي طلب كل منكم ما يعسر على الآخر بأن طلبت المرأة الأجرة وطلب الزوج إرضاعها مجانا فليس له أن يكرهها. ولما كان سبحانه قد تكفل بأرزاق عباده وقدرها قبل إيجادهم ، قال مخبرا جبرا للأب بما يصلح عتابا للأم : (فَسَتُرْضِعُ) أي بوعد لا خلف فيه ، وصرف الخطاب إلى الغيبة إيذانا بأن الأب ترك الأولى فيما هو جدير به من المياسرة لكونه حقيقا بأن يكون أوسع بطانا وأعظم شأنا من أن يضيق عما ترضى به
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
