[التكوير : ١] فقال بادئا بعالم الملك والشهادة لأنه أقرب تصورا لما يغلب على الإنسان من الوقوف مع المحسوسات ، معلما بأنه سيخرب تزهيدا في كل ما يجر إليه وحثا على عدم المبالاة به والابتعاد من التعلق بشيء من أسبابه : (إِذَا الشَّمْسُ) أي التي هي أعظم آيات السماء الظاهرة وأوضحها للحس.
ولما كان المهول مطلق تكويرها الدال على عظمة مكورها ، بني للمفعول على طريقة كلام القادرين قوله : (كُوِّرَتْ) أي لفت بأيسر أمر من غير كلفة ما أصلا ، فأدخلت في العرش ـ كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما فذهب ما كان ينبسط من نورها ، من كورت العمامة ـ إذا لففتها فكان بعضها على بعض وانطمس بعضها ببعض ، والثوب ـ إذا جمعته فرفعته ، فالتكوير كناية عن رفعها أو إلقائها في جهنم زيادة في عذاب أهلها ولا سيما عبدتها ، أو ألقيت عن فلكها ، من طعنه فكوره أي ألقاه مجتمعا ، والتركيب للإدارة والجمع والرفع للشمس ، فعل دل عليه «كورت» لأن «إذا» تطلب الفعل لما فيها من معنى الشرط ، ولما كان التأثير في الأعظم دالّا على التأثير فيما دونه بطريق الأولى ، أتبع ذلك قوله معمما بعد التخصيص : (وَإِذَا النُّجُومُ) أي كلها صغارها وكبارها (انْكَدَرَتْ) أي انقضّت فتهاوت وتساقطت وتناثرت حتى كان ذلك كأنه بأنفسها من غير فعل فاعل في غاية الإسراع ، أو أظلمت ، من كدرت الماء فانكدر ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة ـ في البحر ثم يبعث عليها ريحا دبورا فتضرمها فتصير نارا ، وقال الكلبي وعطاء : تمطر السماء يومئذ نجوما ، لا يبقى نجم إلا وقع.
ولما بدأ بأعلام السماء لأنها أشهر وأعم تخويفا وإرهابا ، وذكر منها اثنين هما أشهر ما فيها وأعمها نفعا ، أتبعها أعلام الأرض فقال مكررا للظرف لمزيد الاعتناء بالتهويل : (وَإِذَا الْجِبالُ) أي التي هي في العالم السفلي كالنجوم في العالم العلوي ، وهي أصلب ما في الأرض ، ودل على عظمة القدرة بالبناء للمفعول فقال : (سُيِّرَتْ) أي وقع تسييرها بوجه الأرض فصارت كأنها السحاب في السير والهباء في النثر لتستوي الأرض فتكون قاعا صفصفا لا عوج فيها ، لأن ذلك اليوم لا يقبل العوج في شيء من الأشياء بوجه.
ولما ذكر أعلام الجماد ، أتبعه أعلام الحيوان النافع الذي هو أعز أموال العرب وأغلبها على وجه دل على عظم الهول فقال : (وَإِذَا الْعِشارُ) أي النوق التي أتى على
__________________
قال الهيثمي : رواه أحمد بإسنادين ورجالهما ثقات. ورواه الطبراني بإسناد أحمد.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
