السرور وموجدة لذلك ، وهي بيضاء نيرة بما يرى من تبشير الملائكة ، وذلك بما كانت فيه في الدنيا من عبوس الوجوه وتغيرها وشحوبها من خشية الله تعالى وما يظهر من جلاله في الساعة كابن أم مكتوم رضي الله عنه الذي كان يحمله خوف الساعة على حمل الراية في أشد الحروب كيوم القادسية والثبات بها حتى يكون كالعمود ، لا يزول عن مركزه أصلا ليرضي المعبود.
ولما ذكر أهل السعادة الذين هم المقبلون على الخير المصابون في أنفسهم بما يكفر سيئاتهم ويعلي درجاتهم ، ذكر أضدادهم فقال تعالى : (وَوُجُوهٌ) وأكد بإعادة الظرف لإزالة الشبهة فقال : (يَوْمَئِذٍ) أي إذ وجد ما ذكر (عَلَيْها) أي ملاصقة لها مع الغلبة والعلو (غَبَرَةٌ) أي اربداد وكأنه بحيث يصير كأنه قد علاها غبار وهي عابسة حذرة وجلة منذعرة ، وذلك مما يلحقها من المشقات وكثرة الزحام مع رعب الفؤاد ، وتذكر ما هي صائرة إليه من الأنكاد الشداد (تَرْهَقُها) أي تغشاها وتقهرها وتعلوها (قَتَرَةٌ) أي كدورة وسواد وظلمة ضد الإسفار فهي باكية عابسة مما كانت فيه في الدنيا من الفرح واللعب والضحك والأمن من العذاب ، فالآية من الاحتباك : ذكر الإسفار والبشر أولا يدل على الخوف والذعر ثانيا ، وذكر الغبرة ثانيا يدل على البياض والنور أولا ، وسر ذلك أنه ذكر دليل الراحة ودليل التعب لظهورهما ترغيبا وترهيبا.
ولما كان هذا الأمر هائلا ، وكان الفاجر ، لما علا قلبه من الرين وله من القساوة ، قليل الخوف من الأجل عديم الفكر فيما يأتي به غد لما غلب عليه من الشهوتين : السبعية والبهيمية بخلاف المتقي في كل ذلك ، استأنف الإخبار زيادة في التهويل فقال : (أُولئِكَ) أي البعداء البغضاء (هُمُ) أي خاصة لا غيرهم (الْكَفَرَةُ) أي الذين ستروا دلائل الإيمان (الْفَجَرَةُ) أي الذين خرجوا عن دائرة الشرع خروجا فاحشا حتى كانوا عريقين في ذلك الكفر والفجور ، وهم في الأغلب المترفون الذين يحملهم غناهم على التكبر والأشر والبطر ، فلجمعهم بين الكفر والفجور جمع لهم بين الغبرة والقترة ، كما يكون للزنوج من البقاعة إذا علا وجوههم غبار ووسخ ، فقد عاد آخرها على أولها فيمن يستحق الإعراض عنه ومن يستحق الإقبال عليه ـ والله الهادي.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
