عليه فقال كالمبين له من غير عاطف : (أَخْرَجَ مِنْها) أي الأرض (ماءَها) بتفجير العيون ، وإضافته إليها دليل على أنه فيها (وَمَرْعاها) الذي يخرج بالماء ، والمراد ما يرعى منها ومكانه وزمانه.
ولما ذكر الأرض ومنافعها ، ذكر المراسي التي تم بها نفعها فقال : (وَالْجِبالَ) أي خاصة (أَرْساها) أي أثبتها وأقرها ومع كونها ثابتة لا تتحول فإنه سبحانه جعلها مراسي للأرض تكون سببا لثباتها كما أن المراسي سبب لثبات السفينة. ولما كانت الإعادة واضحة من تناول الحيوان المأكل والمشرب وغيرهما من المتاع فإنه كلما نقص منه شيء تناول ما قدر له ليعود ذلك أو بعضه ، قال منبها على أنه كل يوم في إعادة بانيا حالا مما تقدم تقديره : حال كونها (مَتاعاً) مقدرا (لَكُمْ) تتمتعون بما فيها من المنافع (وَلِأَنْعامِكُمْ) أي مواشيكم بالرعي وغيره.
ولما ذكر ما دل على البعث ، أتبعه ما يكون عن البعث مسببا عنه دلالة على أن الوجود ما خلق إلا لأجل البعث لأنه محط الحكمة : (فَإِذا جاءَتِ) أي بعد الموت (الطَّامَّةُ الْكُبْرى ) أي الداهية الدهياء التي تطم ـ أي تعلو ـ على سائر الدواهي وتغطيها فتكون أكبر داهية توجد ، وهي البعث بالنفخة الثانية ـ كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، والعامل في «إذا» محذوف تقديره : فصل الناس إلى شقي وسعيد.
ولما كان الشيء لا يعرف قدره إذا كان غائبا إلا بما يكون فيه ، قال مبدلا منه : (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ) أي تذكرا عظيما ظاهرا ـ بما أشار إليه الإظهار (الْإِنْسانُ) أي الخلق الآنس بنفسه الغافل عما خلق له (ما سَعى ) أي عمل كله من خير وشر لأنه يراه في صحيفة أعماله ، والإخبار عن تذكره منبها على ما في ذلك اليوم من الخطر لأن أحدا لا يعمل جهده في تذكره إلا لمحوج إلى ذلك وهو الحساب وتدوينه في صحيفة أعماله.
ولما أشار إلى الحساب ذكر ما بعده فقال : (وَبُرِّزَتِ) أي أظهرت إظهارا عظيما ، وبناه للمفعول لأن الهائل مطلق تبريزها لا كونه من معين ، مع الدلالة على الخفة والسهولة لكونه على طريقة كلام القادرين (الْجَحِيمُ) أي النار التي اشتد وقدها وحرها (لِمَنْ يَرى ) أي كائنا من كان لأنه لا حائل بين أحد وبين رؤيتها ، لكن الناجي لا يصرف بصره إليها فلا يراها كما قال تعالى : (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) [الأنبياء : ١٠٢].
ولما كان جواب «إذا» كما مضى محذوفا ، وكان تقديره أن قسم الناس قسمين : قسم للجحيم وقسم للنعيم ، قال تعالى مسببا عنه مفصلا : (فَأَمَّا مَنْ طَغى ) أي تجاوز الحد في العدوان فلم يخش مقام ربه ، قال في القاموس : طغى : جاوز القدر
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
