الله من أن يدعيه أحد قبل إرسال النبي صلىاللهعليهوسلم فادعوا أنه يطلق عليهم وعلى كل أحد بل كل شيء ، وأمارة هذه الطائفة الخبيثة التي لا تتخلف أن تقول لأحدهم : العن فرعون الذي أجمع على لعنه جميع الطوائف. وهو مثل عندهم في الشرارة والخبث فلا يلعنه ، وإن لعنه فبعد توقف.
ولما لخص سبحانه وتعالى ما مضى من قصصه في هذه الكلمات اليسيرة أحسن تلخيص وأقربه مع عدم المخالفة لشيء مما مضى لأن المفصل موضع الاختصار أما باعتبار النزول فإنه نزل أولا فكان تقريب القصص للناس بالاقتصار على ما لا بد منه أولى ليستأنسوا به ، وأما من جهة الترتيب فلتذكيرهم بما مضى ليجتمع في المخيّلة في أقرب وقت ويتذكر به ذلك المبسوط ، وختمه بأخذه هذا الأخذ الغريب أرشد إلى ما في القصة من العبرة ، مشيرا إلى استحضار ما مضى كله ، فقال مؤكدا مقررا للمكذب ومنبها للمصدق : (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي الأمر العظيم الذي فعله والذي فعل به (لَعِبْرَةً) أي أمرا عظيما يتعمد الاعتبار به من معنى إلى معنى حتى يقع به الوصول إلى كثير من المعارف (لِمَنْ يَخْشى ) أي من شأنه الخوف العظيم من الله لأن الخشية ـ كما تقدم ـ هي أساس الخير ، فأول العبور أن ينقل السامع حال غيره إليه فيتذكر بإنجاء بني إسرائيل على ضعفهم منهم على قوتهم ثم بقوة ما حصل لهم من القهر من ذلك حتى أوجب اتباعهم بالجنود ثم بفرق البحر ثم بإيرادهم إياه ثم بإغراقهم فيه كلمح البصر لم يخرج منهم مخبر قدرة الله تعالى على إيراد الكفار النار وقهر كل جبار وبجعل العصا حية وإخراج القمل والضفادع من الأرض وتحويل الماء دما قدرته سبحانه وتعالى على ذلك السامع بالعذاب وغيره وعلى خصوص البعث ـ إلى غير ذلك من العبر وواضح الأثر.
ولما ختم قصة فرعون ـ لعنه الله ـ بالعبرة ، وكان أعظم عبرتها القدرة التامة لا سيما على البعث كما هي مشيرة إليه بأولها وآخرها ، والعقوبة على التكذيب به لأن التكذيب به يجمع مجامع الشر والتصديق به يجمع مجامع الخير ، وكانوا يستبعدونه لاستبعاد القدرة عليه ، وصل به ما هو كالنتيجة منه ، فقال مقررا مخاطبا لأصحاب الشبهة الشاكين موقفا لهم على القدرة منكرا عليهم استبعادهم ذلك ملتفتا بعد تخصيص الخطاب به صلىاللهعليهوسلم لما تقدم من دقة فهمه وجلالة علمه صلىاللهعليهوسلم إلى عموم الخطاب لوضوح هذا البرهان لكل إنسان استعطافا بهم في توبيخ : (أَأَنْتُمْ) أي أيها الأحياء مع كونكم خلقا ضعيفا (أَشَدُّ خَلْقاً) أي أصعب وأثقل من جهة التقدير والإيجاد (أَمِ السَّماءُ) على ما فيها من السعة والكبر والعلو والمنافع.
ولما كان الجواب قطعا : السماء ـ لما يرى من أعظمها لأن العالم الإنساني
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
