بذكر العامل في لا يوم فقال : (لا يَتَكَلَّمُونَ) أي من تقدم كلهم بأجمعهم فيه بكلمة واحدة مطلق كلام خطابا كان أي في أمر عظيم أو لا ، لا له سبحانه ولا لغيره أصلا ولا أحد منهم ، ويجوز أن يكون هذا حالا لهؤلاء الخواص فيكون الضمير لهم فغيرهم بطريق الأولى (إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ) أي في الكلام إذنا خاصا (الرَّحْمنُ) أي الملك الذي لا تكون نعمه على أحد من خلقه إلا منه (وَقالَ صَواباً) فإن لم يحصل الأمر إن لم يقع الكلام من أحد منهم أصلا ، وهذا كالدليل على آية الخطاب بأنه إذا كان الروح والقريب منه بهذه المثابة في حال كل من حضره كان أحوج ما يكون إلى الكلام فما الظن بغيرهم؟ وهم في غيره كذلك بطريق الأولى وغيرهم فيه وفي غيره من باب الأولى ، وأما في الدنيا فإنه وإن كان لا يتكلم أحد إلا بإذنه لكنه قد يتكلم بالخطأ.
ولما عظم ذلك اليوم بالسكوت خوفا من ذي الجبروت (وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) [طه : ١٠٨] أشار إليه بما يستحقه زيادة في عظمته فقال : (ذلِكَ) أي المشار إليه لبعد مكانته وعظم رتبته وعلو منزلته (الْيَوْمُ الْحَقُ) أي في اليومية لكونه ثابتا في نفسه فلا بد من كونه ولا زوال له ثبوتا لا مرية فيه لعاقل وثابتا كل ما أثبته وباطلا كل ما نفاه. ولما قرر من عظمته ما يعجز غيره عن أن يقرر مثله ، وكان قد خلق القوى والقدر والفعل بالاختيار. فكان من حق كل عاقل تدرع ما ينجى منه ، سبب عن ذلك تنبيها على الخلاص منه وحثا عليه قوله : (فَمَنْ شاءَ) أي الاتخاذ من المكلفين الذين أذن لهم (اتَّخَذَ) أي بغاية جهده (إِلى رَبِّهِ) أي خالقه نفسه المحسن إليه أو رب ذلك اليوم باستعمال قواه التي أعطاه الله إياها في الأعمال الصالحة (مَآباً) أي مرجعا هو المرجع مما يحصل له فيه الثواب بالإيمان والطاعة ، فإن الله جعل لهم قوة واختيارا ، ولكن لا يقدر أحد منهم على مشيئة شيء إلا بمشيئة الله.
ولما قدم في هذه السورة من شرح هذا النبأ العظيم ما قدم من الحكم والمواعظ واللطائف والوعد والوعيد ، لخصه في قوله مؤكدا لما لهم من التكذيب : (إِنَّا) على ما لنا من العظمة (أَنْذَرْناكُمْ) أي أيها الأمة وخصوصا العرب بما مضى من هذه السورة وغيرها (عَذاباً) ولما كان لا بد من إتيانه وكونه سواء كان بالموت أو بالبعث ، وكان كل ما تحقق إتيانه أقرب شيء قال : (قَرِيباً).
ولما حذر منه ، عين وقته مشددا لتهويله فقال : (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ) أي جنسه الصالح منه والطالح نظرا لامرية فيه (ما) أي الذي (قَدَّمَتْ يَداهُ) أي كسبه في الدنيا من خير وشر ، وعبر بهما لأنهما محل القدرة فكنى بهما عنها مع أن أكثر ما يعمل كائن بهما مستقلتين به أو مشاركتين فيه خيرا كان أو شرا. ولما كان التقدير : فيقول المؤمن :
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
