وأولاها بذلك هنا الإشهاد وإقامة الشهادة. ولما كانت أوامر الله تعالى وقصصه وأحكامه وجميع كلامه مختصا من بين كلام الناس بأنه يرقق القلوب ويلين الشكائم لكونه روحا لما فيه العدل الذي تهواه النفوس ، وتعشقه الألباب ، وتميل إليه الطبائع ، وقامت به السماوات والأرض ، ولما فيه أيضا من ذكر من تعشقه الفطر القويمة من جميع أهل الخير من الأنبياء والملائكة والأولياء ، مع تشريف الكل بذكر الله ، سمي وعظا ، وبني للمجهول إشارة إلى أن الوعظ بنفسه نافع ولو لم يعرف قائله ، وإلى أن الفاعل معروف أنه الله لكونه سمي وعظا مع كونه أحكاما فقال : (يُوعَظُ بِهِ) أي يلين ويرقق (مَنْ كانَ) أي كونا راسخا ، من جميع الناس (يُؤْمِنُ بِاللهِ) أي يوقع ويجدد منكم ومن غيركم على سبيل الاستمرار من صميم قلبه الإيمان بالملك الذي له الكمال كله.
ولما كان البعث محط الحكمة لأن الدنيا مزرعة للآخرة ، ولا يكون زرع بغير حصاد ، كان خلو الإيمان عنه معدما للإيمان فقال : (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فإنه المحط الأعظم للترقيق ، أما من لم يكن متصفا بذلك فكأنه لقساوة قلبه ما وعظ به لأنه لم ينتفع به أبدا.
ولما كانت العبادة لا تكون إلا بالإعانة ، وكان التقدير : فمن اتعظ بذلك كان اتعاظه شاهدا له بإيمانه بذلك ، وكان متقيا ، عطف عليه قوله اعتراضا بين هذه الأحكام تأكيدا للترغيب في الإعانة المترتبة على التقوى : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ) أي يخف الملك الأعظم فيجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية مما يرضيه ، وهو اجتلاب ما أمر به واجتناب ما نهى عنه من الطلاق وغيره ظاهرا وباطنا ، وذلك صلاح قوي العلم بالإيمان والعمل بفعل المأمور به وترك المنهي عنه لأنه تقدم أن التقوى إذا انفردت في القرآن عن مقارن عمت الأمر والنهي ، وإذا قرنت بغيرها نحو إحسان أو رضوان خصت المناهي : (يَجْعَلْ) أي الله سبحانه بسبب التقوى (لَهُ مَخْرَجاً) بدفع المضار من كل ضيق أحاط به في نظير ما اجتنب من المناهي (وَيَرْزُقْهُ) بحوله وقوته بجلب المسار في الدين والدنيا والآخرة في نظير ما اجتلب من فعل الأوامر.
ولما كان أحلى الهبات ما جاء من مكان لا يرجى قال : (مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) أي لا يقوى رجاؤه له ، ولما أكد في هذا وأعظم الوعد لأنه وإن كان عاما لكل متق فتعلقه بما تقدم أقوى والنظر فيما تقدم إلى حقوق العباد أكثر ، والمضايقة فيها أشد ، والدواعي إليها أبلغ ، فالاتقاء فيه بعدم الطلاق في الحيض والإضرار بالمرأة بتطويل العدة أو الإخراج من المسكن وكتمان الشهادة والعسر في أدائها والإخلال بشيء منها والتأكيد والإبلاغ في الوعد لأجل ما جبل عليه الإنسان من القلق في أموره ، عطف على
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
