السقوف وما بها من القناديل بأسهل أمر (وَإِذَا الْجِبالُ) أي على صلابتها (نُسِفَتْ) أي ذهب بها كلها بسرعة ففرقتها الرياح ، فكانت هباء منبثا فلم يبق لها أثر ، وذلك كما ينسف الحب ، فزال ثبات الأرض بالأسباب التي هي الرواسي ، لأن تلك الدار ليست بدار أسباب.
ولما ذكر تغيير السماء والأرض ، ذكر ما فعل ذلك لأجله فقال : (وَإِذَا الرُّسُلُ) أي الذي أنذروا الناس ذلك اليوم فكذبوهم (أُقِّتَتْ) أي بلّغها الذي لا قدير سواه بأيسر أمر ميقاتها الذي كانت تنتظره ، وهو وقت قطع الأسباب وإيقاع الرحمة والثواب للأحباب والنقمة والعقاب للأعداء بشهادتهم بعد جمعهم على الأمم بما كان منهم من الجواب ، وحذف العامل في «إذا» تهويلا له لتذهب النفس فيه كل مذهب ، فيمكن أن يكون تقديره : وقع ما توعدون فرأيتم من هذا الوعيد ما لا يحتمل ولا يثبت لوصفه العقول ، وعلى ذلك دل قوله ملقنا لما ينبغي أن يقال ، وهو (لِأَيِّ يَوْمٍ) أي عظيم (أُجِّلَتْ) أي وقع تأجيلها به ، بناه للمفعول لأن المقصود تحقيق الأجل لا كونه من معين ، وتنبيها على أن المعين له معلوم أنه الله الذي لا يقدر عليه سواه ، ثم أجاب عن هذا السؤال بقوله مبدلا من «لأي يوم» : (لِيَوْمِ الْفَصْلِ) أي الذي إذا أطلق ذلك لم ينصرف إلا إليه لأنه لا يترك فيه شيئا إلا وقع الفصل فيه بين جميع الخلق من كل جليل وحقير ، ثم هوله وعظمه بقوله : (وَما أَدْراكَ) أي وأي شيء أعلمك وإن اجتهدت في التعرف ، ثم زاده تهويلا بقوله : (ما يَوْمُ الْفَصْلِ) أي إنه أمر يستحق أن يسأل عنه ويعظم ، وكل ما عظم بشيء فهو أعظم منه ، ولا يقدر أحد من الخلق على الوصول إلى علمه لأنه لا مثل له يقال عليه.
ولما هول أمره ذكر ما يقع فيه من الشدة على وجه الإجمال فقال : (وَيْلٌ) أي هلاك عظيم جدا (يَوْمَئِذٍ) أي إذ يكون يوم الفصل (لِلْمُكَذِّبِينَ) أي بالمرسلات التي أخبرت بذلك اليوم وغيره من أمر الله ، والويل في الأصل مصدر منصوب بإضمار فعله ، عدل به إلى الرفع للدلالة على ثبات معناه ، وقد كررت هذه الجملة بعدة المقسم به وما ذكر هنا مما يكون في يوم الفصل من الطمس وما بعده وهو تسعة أشياء ، وزادت واحدة فتكون كل جملة بواحدة من المذكورات ، والعاشرة للتأكيد دلالة على أن لهم من الويل ما لا ينتهي كما أن الواحد لا ينتهي على أنها لو كانت كلها لتأكيد الأول لكان ذلك حسنا ، فإن من كذبك في أشياء كان من البلاغة أن تقرره بواحدة منها ثم تقول له عند قيام الدليل «ويل لك» ثم تفعل فيما بعده كله كذلك وتعيد عليه ذلك القول بعينه تأكيدا له وتحقيقا لوقوع معناه دلالة على أن الغيظ قد بلغ منتهاه والفجور وانقطاع العذر لم يدع
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
