غاية الضعف ، وأصل الأسر : القد يشد به الأقتاب أو الربط والتوثيق ، ولا شك أن من قدر على إنشاء شخص من نطفة قادر على أن يعيده كما كان لأن جسده الذي أنشأه إن كان محفوظا فالأمر فيه واضح ، وإن كان قد صار ترابا فإبداعه منه مثل إبداعه من النطفة ، وأكثر ما فيه أن يكون كأبيه آدم عليهالسلام بل هو أولى فإنه ترابه له أصل في الحياة بما كان حيا ، وتراب آدم عليهالسلام لم يكن له أصل قط في الحياة والإعادة أهون في مجاري عادات الخلق من الابتداء ، ولذلك قال معبرا بأداة التحقق : (وَإِذا شِئْنا) أي بما لنا من العظمة أن نبدل ما نشاء من صفاتهم أو ذواتهم (بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ) أي بعد الموت في الخلقة وشدة الأسر (تَبْدِيلاً) أو المعنى : جئنا بأمثالهم بدلا منهم وخلائف لهم ، أو يكون المراد ـ وهو أقعد ـ بالمثل الشخص أي بدلنا أشخاصهم لتصير بعد القوة إلى ضعف وبعد الطول إلى قصر وبعد البياض إلى سواد وغير ذلك من الصفات كما شوهد في بعض الأوقات في المسخ وغيره ، وكل ذلك دال على تمام قدرتنا وشمول علمنا.
ولما كان هذا دليلا عظيما على القدرة على البعث مخزيا لهم ، قال مؤكدا لإنكارهم عنادا : (إِنَّ هذِهِ) أي الفعلة البدائية ، أو المواعظ التي ذكرناها في هذه السورة وفي جميع القرآن (تَذْكِرَةٌ) أي موضع ذكر عظيم للقدرة على البعث وتذكر عظيم لما فعلت في الإنشاء أولا ، وموعظة عظيمة فإن في تصفحها تنبيهات عظيمة للغافلين ، وفي تدبرها وتذكرها فوائد جمة للطالبين السالكين ممن ألقى سمعه وأحضر نفسه ، وكانت نفسه مقبلة على ما ألقى إليه سمعه ، فمن أقبل هذا الإقبال علم أنا آتيناه من الآلات والدلائل ما إن سلك معه مجتهدا وصل دون ضلال ولذلك سبب عن كونها تذكرة قوله من خطاب البسط : (فَمَنْ شاءَ) أي أن يجتهد في وصوله إلى الله سبحانه وتعالى (اتَّخَذَ) أي أخذ بجهده من مجاهدة نفسه ومغالبة هواه (إِلى رَبِّهِ) أي المحسن إليه الذي ينبغي له أن يحبه بجميع قلبه ويجتهد في القرب منه (سَبِيلاً) أي طريقا واسعا واضحا سهلا بأفعال الطاعة التي أمر بها لأنا بينا الأمور غاية البيان وكشفنا اللبس وأزلنا جميع موانع أنفسهم عمن شئنا وركزنا ذلك في الطباع ، ولم يبق مانع من استطراق أصلا غير مشيئتنا ، والفطرة الأولى أعدل شاهد بهذا.
ولما أثبت لهم المشيئة التي هي مناط التكليف ، وهي الكسب ، وكان ربما ظن ظان أو ادعى مدع في خلق الأفعال كما قال أهل الاعتزال ، قال نافيا عنهم الاستقلال ، لافتا القول إلى خطابهم ، وهو مع كونه خطاب قبض استعطافا بهم إلى التذكر في قراءة الجماعة وبالغيب على الأسلوب الماضي في قراءة ابن كثير وابن عامر : (وَما تَشاؤُنَ)
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
