المسكوت عنه لا نهي فيه فقال : (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ) أي الكفرة الذين هم ضد الشاكرين (آثِماً) أي داعيا إلى إثم سواء كان مجردا عن مطلق الكفر أو مصاحبا له (أَوْ كَفُوراً) أي مبالغا في الكفر وداعيا إليه وإن كان كبيرا وعظيما في الدنيا فإن الحق أكبر من كل كبير ، وذلك أنهم كانوا مع شدة الأذى له صلىاللهعليهوسلم يبذلون له الرغائب من الأموال ، والتمليك والتزويج لأعظم نسائهم على أن يتبعهم على دينهم ويكف عما هو عليه والنهي عن الأحد المبهم نهي عن كل منهما ، فإن كلّا منهما في أنه يجب اجتنابه في رتبة واحدة (وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ) [الأنعام : ١٢٠] وكذا الانتهاء عنه لا يتحقق إلا بالانتهاء عن كل منهما ، ولو عطف بالواو لم يفد ذلك لأن نفي الاثنين لا يستلزم نفي كل منهما ، وأفهم ترتيب النهي على الوصفين أنه إذا دعاه الكفار إلى ما لا يتعلق به إثم ولا كفر جاز له قبوله.
ولما نهى عن طاعتهما القاطعة عن الله ، أمر بملازمة الموصل إلى الله وهو الذكر من غير عائق الذي هو دواء لما عساه يلحق من الأدواء لمجرد رؤية الآثم أو الكفور لأرباب القلوب الصافية ، والذكر مقدم على كل عبادة وإن وضع العبادة لما كان طلبا للتوصل إلى نيل معرفة الله سبحانه ، وكان التصور بحسب الاسم أول مراتب التصور طبعا بدأ به وضعا ، وذلك لأن النفس تحب السفول لما لها من النقائص ، فاحتاجت إلى سبب مشوق لها إلى الأعلى فوضعت لها العبادات ، وأجلها العبادة المشفوعة بالفكر ، لأنه السبب الموصل إلى المقصود ولا تفيد العبادة بدونه فقال : (وَاذْكُرِ) أي بلسانك (اسْمَ رَبِّكَ) أي المحسن إليك بكل جميل (بُكْرَةً) عند قيامك من منامك الذي هو الموتة الصغرى وتذكرك أنه يحيي الموتى ويحشرهم جميعا (وَأَصِيلاً) عند انقراض نهارك وتذكرك انقراض دنياك وطي هذا العالم لأجل إيجاد يوم الفصل ، وفي ذكر الوقتين أيضا إشارة إلى دوام الذكر ، وذكر اسمه لازم لذكره ، ويجوز أن يكون أمرا بالصلاة لأنها أفضل الأعمال البدنية لأنها أعظم الذكر لأنها ذكر اللسان والجنان والأركان فوظفت فيها أذكار لسانية وحركات وسكنات على هيئة مخصوصة من عادتها ألا تفعل إلا بين أيدي الملوك ، فكان تنبيهها على وجود الصانع والاعتراف بإلهيته وتفرده أكثر فكانت أفضل ، فيكون هذا على هذا أمرا بصلاتي الصبح والعصر ، فإنه لم يكن أمر في أول الإسلام بغيرهما وبهما أمر من كان قبلنا ، وهما أفضل الصلوات وكانتا ركعتين ركعتين ، ويجوز أن يكون أمرا بصلاتي الصبح والظهر والعصر فإن الأصيل يتناول وقتيهما لأنه مطلق العشي ، وأما المغرب والعشاء ونافلة الليل فدخلت في قوله : (وَمِنَ اللَّيْلِ) أي بعضه والباقي للراحة بالنوم (فَاسْجُدْ لَهُ) أي فصل له صلاتي المغرب
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
