إلى حركة أصلا ، ودل على الملك بقوله (عَلَى الْأَرائِكِ) أي الأسرة العالية التي في الحجال ، لا تكون أريكة إلا مع وجود الحجلة ، وقال بعضهم : هي السرير المنجد في قبة عليه شواره ونجده أي متاعه ، وهي مشيرة إلى الزوجات لأن العادة جارية بأن الأرائك لا تخلو عنهن بل هي لهن لاستمتاع الأزواج بهن فيها. ولما كانت بيوت الدنيا وبساتينها تحتاج إلى الانتقال منها من موضع إلى موضع لأجل الحر أو البرد ، بين أن جميع أرض الجنة وغرفها سواء في لذة العيش وسبوغ الظل واعتدال الأمر ، فقال نافيا ضر الحر ثم البرد : (لا يَرَوْنَ فِيها) أي بأبصارهم ولا بصائرهم أصلا (شَمْساً) أي ولا قمرا (وَلا) أي ولا يرون فيها أيضا ببصائرهم أي لا يحسون بما يسمى (زَمْهَرِيراً) أي بردا شديدا مزعجا ولا حرا ، فالآية من الاحتباك : دل بنفي الشمس أولا على نفي القمر ، لأن ظهوره بها لأن نوره اكتساب من نور الشمس ، ودل بنفي الزمهرير الذي هو سبب البرد ثانيا على نفي الحر الذي سببه الشمس ، فأفاد هذا أن الجنة غنية عن النيرين ، لأنها نيرة بذاتها وأهلها غير محتاجين إلى معرفة زمان لأنه لا تكليف فيها بوجه ، وأنها ظليلة ومعتدلة دائما لأن سبب الحر الآن قرب الشمس من مسامتة الرؤوس ، وسبب البرد بعدها عن ذلك.
ولما كانت ترجمة هذا كما مضى : جنة ظليلة ومعتدلة ، عطف عليه بالواو دلالة على تمكن هذا الوصف وعلى اجتماعه مع ما قبله قوله : (وَدانِيَةً) أي قريبة من الارتفاع (عَلَيْهِمْ ظِلالُها) من غير أن يحصل منها ما يزيل الاعتدال (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها) جمع قطف بالكسر وهو العنقود واسم للثمار المقطوفة أي المجنية (تَذْلِيلاً) أي سهل تناولها تسهيلا عظيما لا يرد اليد عنها بعد ولا شوك لكل من يريد أخذها على أي حالة كان من اتكاء وغيره ، فإن كانوا قعودا تدلت إليهم ، وإن كانوا قياما وكانت على الأرض ارتقت إليهم ، وهذا جزاء لهم على ما كانوا يذللون أنفسهم لأمر الله.
ولما كان الدوران بالآنية متجددا ، عبر فيه بالمضارع ، وبناه للمفعول أيضا لأنه المقصود مطلقا من غير تعيين طائف فقال : (وَيُطافُ) أي من أيّ طائف كان لكثرة الخدم (عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ) جمع إناء جزاء على طوافهم على المحتاجين بما يصلحهم.
ولما كان مقصود هذه السورة ترهيب الإنسان الموبخ في سورة القيامة من الكفر ، وكان الإنسان أدنى أسنان المخاطبين في مراتب الخطاب ، اقتصر في الترغيب في شرف الآنية على الفضة دون الذهب المذكور في فاطر والحج المعبر فيهما بالناس ، فلعل هذا لصنف وذاك لصنف ـ أعلى منه مع إمكان الجمع والمعاقبة ، وأما من هو أعلى من هذين الصنفين من الذين آمنوا ومن فوقهم فلهم فوق هذين الجوهرين من الجواهر ما لا عين
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
