بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة القيامة
مكية ـ آياتها أربعون
مقصودها الدلالة على عظمة المدثر المأمور بالإنذار صلىاللهعليهوسلم لعظمة مرسله سبحانه وتمام اقتداره بأنه كشف له العلوم حتى صار إلى الأعيان بعد الرسوم بشرح آخر سورته من أن هذا القرآن تذكرة عظيمة لما أودعه الله من وضوح المعاني وعذوبة الألفاظ وجلالة النظوم ورونق السبك وعلو المقاصد ، فهو لذلك معشوق لكل طبع ، معلوم ما خفي من أسراره وإشاراته بصدق النية وقوة العزم بحيث يصير بعد كشفه إذا أثر كأنه كان منسيا بعد حفظه فذكر (فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) [عبس : ١٢] فحفظه وعلم معانيه وتخلق بها ، وإنما المانع عن ذلك مشيئة الله تعالى ، فمن شاء حجبه عنه أصلا ورأسا ، ومن شاء حجبه عن بعضه ، ومن شاء كشف عنه الحجاب ، وجعله يعينه على أعظم صواب ، دون شك ولا ارتياب ، وجلى عليه أوانسه وعرائسه وحباه جواهره ونفائسه ، وحلاه به ؛ فكان ملكه وسائسه ، كما كان المدثر صلىاللهعليهوسلم حين كان خلقه القرآن ، واسمها القيامة واضح في ذلك جدا ، وليس فيها ما يقوم بالدلالة عليه غيره إذا تؤملت الآية مع ما أشارت إليه «لا» النافية للقسم أو المؤكدة مع أنها في الوضوح في حد لا يحتاج إلى الإقسام عليه لأنه لا يوجد أحد يدع من تحت يده يعدو بعضهم على بعض ، ويتصرفون فيما خولهم فيه من غير حساب ، فكيف بأحكم الحاكمين الذي وكل بعبيده أضعافهم من الملائكة فهم يديرون في كل لحظة فيهم كؤوس المنايا ، ويأخذون من أمرهم به سبحانه إلى داره البرزخ للتهيئة للعرض ويسوقونهم زمرا بعد زمر إلى العود في الأرض حتى ينتهي الجمع في القبور ، ويقيمهم بالنقر في الناقور ، والنفخ في الصور ، إلى ساحة الحساب للثواب والعقاب ، ولم يحجب عن علم ذلك حتى ضل عنه أكثر الخلق إلا مشيئته سبحانه بتغليب النفس الأمارة حتى صارت اللوامة منهمكة في الشر شديدة اللوم عن الإقصار عن شيء منه كما أن ما جلاه لنبيه محمد صلىاللهعليهوسلم حتى كان خلقه ، ولمن أراد من أتباعه إلا إرادته سبحانه بتغليب المطمئنة حتى صار الكل روحا صرفا ونورا خالصا بحتا (بِسْمِ
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
