جدا عاما لجميع أوقات وجوده ، والمراد به كما يأتي الوليد بن المغيرة ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان له بين مكة والطائف إبل وحجور ونعم وجنان وعبيد وجوار.
ولما كان أول ما يمتد إليه النفس بعد كثرة المال الولد ، وكان أحب الولد الذكر ، قال : (وَبَنِينَ) ولما كان الاحتياج إلى فراقهم ولو زمنا يسيرا شاقا ، وكان ألزمهم له وأغناهم عن الضرب في الأرض نعمة أخرى قال : (شُهُوداً) أي حضورا معه لغناه عن الأسفار بكثرة المال وانتشار الخدم وقوة الأعوان ، وهم مع حضورهم في الذروة من الحضور بتمام العقل وقوة الحذق ، فهم في غاية المعرفة بما يزيدهم الاطلاع عليه حيثما أرادهم وجدهم وتمتع بلقياهم ، ومع ذلك فهم أعيان المجالس وصدور المحافل كأنه لا شاهد بها غيرهم ، منهم خالد الذي من الله بإسلامه ، فكان سيف الله تعالى وسيف رسوله صلىاللهعليهوسلم.
ولما كان هذا كناية عن سعة الرزق وعظم الجاه ، وكان من بسط له في المال والولد والجاه تتوق نفسه إلى إتمام ذلك بالحفظ والتيسير ، قال مستعطفا لمن كان هكذا بالتذكير بنعمه : (وَمَهَّدْتُ) أي بالتدريج والمبالغة (لَهُ) أي وطأت وبسطت وهيأت في الرئاسة بأن جمعت له إلى ملك الأعيان ملك المعاني التي منها القلوب ، وأطلت عمره ، وأزلت عنه موانع الرغد في العيش ، ووفرت أسباب الوجاهة له حتى دان لذلك الناس ، وأقام ببلده مطمئنا يرجع إلى رأيه الأكابر ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : وسعت له ما بين اليمن إلى الشام فأكملت له من سعادة الدنيا ما أوجب التفرد في زمانه من أهل بيته وفخذه بحيث كان يسمى الوحيد وريحانة قريش فلم يزع هذه النعمة العظيمة : وأكد ذلك بقوله : (تَمْهِيداً).
ولما كان قد فعل به ذلك سبحانه ، فأورثته هذه النعمة من البطر والاستكبار على من خوله فيها ضد ما كان ينبغي له من الشكر والازدجار ، قال محققا أنه سبحانه هو الذي وهبها له وهو الواحد القهار ، مشيرا بأداة التراخي إلى استبعاد الزيادة له على حالته هذه من عدم الشكر : (ثُمَ) أي بعد الأمر العظيم الذي ارتكبه من تكذيب رسولنا صلىاللهعليهوسلم (يَطْمَعُ) أي بغير سبب يدلي به إلينا مما جعلناه سبب المزيد من الشكر : (أَنْ أَزِيدَ) أي فيما آتيته من دنياه أو آخرته وهو يكذب رسولي صلىاللهعليهوسلم.
ولما كان التقدير : إنه ليطمع في ذلك لأن المال والجاه يجران الشرف والعظمة بأيسر سعي ، هذا هو المعروف المتداول المألوف ، استأنف زجره عن ذلك بمجامع الزجر : علما من أعلام النبوة ، وبرهانا قاطعا على صحة الرسالة ، فقال ما لا يصح أن يقوله غيره سبحانه لأنه مع أنه لا تردد فيه ولا افتراء طابق الواقع ، فلم يزد بعد ذلك
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
