خالصا ، فإنه إذا زال الاستكثار حصل الإخلاص ، لأنه لا يتعلق همه بطلب الاستمثال ، فكيف بالاستقلال ، فيكون العمل في غاية الخلوص لا يقصد به ثوابا أصلا ، ولا يراد لغير وجه الله تعالى ، وهذا هو النهاية في الإخلاص.
ولما كان الإنذار شديدا على النفوس يحصل به من المعالجات ما الموت دونه ، لأن ترك المألوفات أصعب شيء على النفوس ، وكذا ترك الفوائد ، قال أمرا بالتحلي بالعاصم بعد التخلي عن القاصم ، معلما بأن الأذى من المنذرين أمر لا بد منه فيدخل في الطاعة على بصيرة ، فاقتضى الحال لذلك أن الإنذار يهون بالغنى عن الفانين والكون مع الباقي وحده ، فأشار إلى ذلك بتقديم الإله معبرا عنه بوصف الإحسان ترغيبا فقال : (وَلِرَبِّكَ) أي المحسن إليك ، المربي لك ، المدبر لجميع مصالحك وحده (فَاصْبِرْ) أي على مشاق التكاليف أمرا ونهيا وأذى المشركين وشظف العيش وجميع البلايا ، فإنه يجزل عطاءك من خير الدارين بحيث لا يحوجك إلى أحد ، ويحوج الناس إليك ، ويهون عليك حمل المشاق في الدارين ولا سيما أمر يوم البعث ، فإن من حمل العمل في الدنيا حمله العمل في الآخرة.
ولما كان المقام للإنذار ، وكان من رد الأوامر تكذيبا كفر ، ومن تهاون بها ما أطاع ولا شكر ، حذر من الفتور عنها بذكر ما للمكذب بها ، فقال مسببا عن ذلك باعثا على اكتساب الخيرات من غير كسل ولا توقف ، مذكرا بأن الملك التقم القرن وأصغى بجبهته انتظارا للأمر بالنفخ ، مشيرا بالبناء للمفعول إلى هوانه لديه وخفته عليه مؤذنا بأداة التحقق أنه لا بد من وقوعه : (فَإِذا نُقِرَ) أي نفخ وصوّت بشدة وصلابة ونفوذ وإنكاء (فِي النَّاقُورِ) أي الصور وهو القرن الذي إسرافيل عليهالسلام ملتقمه الآن وهو مصغ لانتظار الأمر بالنفخ فيه للقيامة ، ويجوز أن يراد الأيام التي يقضي فيها بالذل على الكافرين كيوم بدر والفتح وغيرهما كما جعلت الساعة والقيامة كناية عن الموت ، فقال صلىاللهعليهوسلم : «من مات فقد قامت قيامته» عبر عنه بالنقر إشارة إلى أنه في شدته كالنقر في الصلب فيكون عنه صوت هائل ، وأصل النقر القرع الذي هو سبب الصوت فهو أشد من صدعك لهم بالإنذار للحذار من دار البوار ، فهنالك ترد الأرواح إلى أجسادها ، فيبعث الناس فيقومون من قبورهم كنفس واحدة ، وترى عاقبة الصبر ، ويرى أعداؤك عاقبة الكبر ، والتعبير فيه بصيغة المبالغة وجعله فاعلا كالجاسوس إشارة إلى زيادة العظمة حتى كأنه هو الفاعل على هيئة هي في غاية الشدة والقوة ، وحذر النبي صلىاللهعليهوسلم أصحابه رضي الله عنهم من النفخ في الصور وقربه فقالوا : «كيف نقول يا رسول الله؟ قال : قولوا حسبنا
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
