يعني أن يكون هذا مبادىء شعر أو كهانة ، وكل ذلك من الشياطين وأن يكون الذي ظهر له بالوحي ليس بملك ، وكان صلىاللهعليهوسلم يبغض الشعر والكهانة غاية البغضة ، فقالت له وكانت وزيرة صدق : «كلا والله! لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق» (١) ونحو هذا من المقال الذي يثبت ، وفائدة التزمل أن الشجاع الكامل إذا دهمه أمر هو فوق قواه ففرق أمره فرجع إلى نفسه ، وقصر بصره وبصيرته على حسه ، اجتمعت قواه إليه فقويت جبلته الصالحة على تلك العوارض التخييلية فهزمتها فرجع إلى أمر الجبلة العلية ، وزال ما عرض من العلة البدنية.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما كان ذكر إسلام الجن قد أحرز غاية انتهى مرماها وتم مقصدها ومبناها ، وهي الإعلام باستجابة هؤلاء وحرمان من كان أولى بالاستجابة ، وأقرب في ظاهر الأمر إلى الإنابة ، بعد تقدم وعيدهم وشديد تهديدهم ، صرف الكلام إلى أمره صلىاللهعليهوسلم بما يلزمه من وظائف عبادته وما يلزمه في أذكاره من ليله ونهاره ، مفتتحا ذلك بأجمل مكالمة وألطف مخاطبة (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) [المزمل : ١] وكان ذلك تسلية له صلىاللهعليهوسلم كما ورد (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) [فاطر : ٨] إلى آخره ، وليحصل منه الاكتراث بعناد من قدم عناده وكثرت لججه ، وأتبع ذلك بما يشهد لهذا الغرض ويعضده وهو قوله تعالى (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) [المعارج : ٥] (وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً) [المزمل : ١٠ ـ ١١] وهذا عين الوارد في قوله تعالى : (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) [فاطر : ٨] وفي قوله (نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) [ق : ٤٥] ثم قال : (إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً) [المزمل : ١٢] فذكر ما أعد لهم ، وإذا تأملت هذه الآي وجدتها قاطعة بما قدمناه ، وبان لك التحام ما ذكره ، ثم رجع الكلام إلى التلطف به عليه الصلاة والسّلام وبأصحابه ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ وأجزل جزاءهم مع وقوع التقصير ممن يصح منه تعظيم المعبود الحق جل جلاله (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) [المزمل : ٢٠] ثم ختم السورة بالاستغفار من كل ما تقدم من عناد الجاحدين المقدم ذكرهم فيما قبل من السور إلى ما لا يفي العباد المستجيبون به مما أشار إليه قوله تعالى : (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) [المزمل : ٢٠] انتهى.
ولما كان الليل اسما لما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ، وكان قيامه في غاية المشقة ، حمل سبحانه من ثقل ذلك ، فقال مبينا لمراده بما حط عليه الكلام بعد
__________________
(١) هو بعض الحديث المتقدم.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
