عليه. ولما دل هذا السياق على عزة علم الغيب وكانت عزته سببا لحراسة من يطلع عليه ليؤديه إلى من أمر به كما أمر به ، أعلم سبحانه وتعالى بذلك بقوله مؤكدا تمييزا له من علم الكهان الذي أصله من الجان دالا على إجلال الرسل وإعظامهم وتبجيلهم وإكرامهم : (فَإِنَّهُ) أي الله سبحانه وتعالى يظهر ذلك الرسول على ما يريد من الغيب ، وذلك أنه إذا أراد إظهاره عليه (يَسْلُكُ) أي يدخل إدخال السلك في الجوهرة في تقومه ونفوذه من غير أدنى تعريج إلى غير المراد. ولما كان الغرض يحصل بمن يقيمه سبحانه من جنوده للحراسة ولو أنه واحد من كل جهة بل وبغير ذلك ، وإنما جعل هذا الإخراج للأمر على ما يتعارفه العباد ، عبر بالجارّ دليلا على عدم استغراق الرصد للجهات إلى منقطع الأرض مثلا فقال : (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) إلى الجهة التي يعلمها ذلك الرسول (وَمِنْ خَلْفِهِ) أي الجهة التي تغيب عن علمه ، فصار ذلك كفاية عن كل جهة ، ويمكن أن يكون ذكر الجهتين دلالة على الكل وخصهما لأن العدو متى أعريت واحدة منهما أتى منها ، ومتى حفظت لم يأت من غيرها ، لأنه يصير بين الأولين والآخرين (رَصَداً) أي حرسا من جنوده يحرسونه ويحفظونه بحفظ ما معه من الغيب من اختطاف الشياطين أو غيرهم لئلا يسترقوا شيئا من خبره ـ قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال مقاتل وغيره رضي الله عنهما : يخبرونه بمن أنكره بأن يحذروه منه إن كان شيطانا أو يأمروه بالسماع منه إن كان ملكا ، وذلك أن إبليس كان يأتي الأنبياء في صورة جبريل عليهالسلام ولكن الله عصمهم منه.
ولما كان هذا الدأب من الحفظ في كل رسول بين الغاية جامعا تعيينا لما اقتضاه الجنس ، وبيانا لأن الأفراد أولا مراد به الجمع ، وأنه ما عبر به إلا لتشمل الحراسة كل فرد منهم فقال : (لِيَعْلَمَ) أي الله علما كائنا واقعا على هذه الصفة التي تعلق بها علمه في الأزل قبل وجودها بما لا يعلمه إلا هو سبحانه أنها ستكون (أَنْ) أي إن الرسل عليهم الصلاة والسّلام (قَدْ أَبْلَغُوا) أي إلى من أرسلوا إليه (رِسالاتِ رَبِّهِمْ) أي الذي أوجدهم ودبر جميع أمورهم واختارهم لرسالاته على ما هي عليه لم يشبها شائبة ولا لحقها غبر. ولما كان هذا ربما أوهم أنه محتاج في الحفظ إلى الرصد أزال ذلك بقوله : (وَأَحاطَ) أي فعل ذلك والحال أنه قد أحاط (بِما لَدَيْهِمْ) أي الرسل والمرسل إليهم من الملائكة والبشر على أدق الوجوه وأعظمها وأغربها بما أشار إليه التعبير بلدى. ولما كان هذا كافيا في المقصود ، لكنه قاصر على محل الحاجة عم تعريفا بالأمر على ما هو عليه ، فقال حاملا على شدة الوثوق بما تقوله الرسل عن ربهم وأنه لا لبس فيه ولا غائلة بوجه ، مبينا غاية البيان كذب حديث الغرانيق الذي ذكره بعض المفسرين وغيرهم في
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
