ولما كان القاسطون أكثر الناس بل الناس كلهم في ذلك الزمان جنا وإنسا ، قال مبينا لأنه يجوز على الأنبياء أن يؤذوا وينتقصوا رفعا لدرجاتهم وتسلية لوراثهم وإن كانت رتبتهم تأبى ذلك : (كادُوا) أي قرب القاسطون من الفريقين الجن والإنس (يَكُونُونَ عَلَيْهِ) أي على عبد الله (لِبَداً) أي متراكمين بعضهم على بعض من شدة ازدحامهم حتى كان ذلك جبلة لهم تعجبا مما رأوا منه من عبادته وإرادة لرده عن ذلك ، وذلك أمر لا يعجب منه ، وإنما العجب ما فعلوا هم من عبادتهم لغيره سبحانه وتعالى ومن تعجبهم من عبادة عبده له وإخلاصه في دعائه ، وهو جمع لبد ـ بكسر اللام ، وقرىء بضم اللام جمع لبدة بضمها ، وهي ما تلبد بعضه على بعض.
ولما استشرفت ـ على قراءة الكسر ـ نفس السامع إلى قوله صلىاللهعليهوسلم لمن تراكموا عليه من ذلك ، استأنف الجواب بقوله مبينا لما يستحيل على الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام من دعاء غير الله ومن ترك الدعاء إليه من مخالفة شيء من أمره قال ، أو لما تاقت نفسه صلىاللهعليهوسلم على قراءة الفتح إلى ما يدفع به ما رأى منهم ، قال تعالى مرشدا له إلى ذلك : (قُلْ) أي لمن ازدحم عليك عادا لهم عداد الجاهلين بما تصنع لأنهم عملوا عمل الجاهل : (إِنَّما أَدْعُوا) أي دعاء العبادة (رَبِّي) أي الذي أوجدني ورباني ولا نعمة عندي إلا منه وحده ، لا أدعو غيره حتى تعجبوا مني فتزدحموا عليّ والظاهر المتبادر إلى الفهم أن المعنى : وأوحي إليّ أي لما قمت في الصلاة أعبد الله في بطن نخلة ورآني الجن الذين وجههم إبليس نحو تهامة وسمعوا القرآن ازدحموا عليّ حتى كادوا يغشونني ويكون بعضهم على بعض فسمعوا توحيدي لله وتمجيدي له وإفراده بالقدرة والعلم وجميع صفات الكمال آمنوا ، وقيل : هو حكاية الجن لقومهم عن صلاة النبي صلىاللهعليهوسلم وفعل أصحابه وراءه في تراصهم في صلاتهم وحفوفهم به ووعظه وتعليمه لهم ، ويحكى هذا القول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسعيد بن جبير فإن ذلك هيئة غريبة ، يحكى أن ملك الفرس أرسل من دخل في المسلمين لما قصدوا بلاده فكان مما حكي له عنهم أن قال : إذا صلوا صفوا أنفسهم صفوفا ويقدمهم رجل يقومون بقيامه ويسجدون بسجوده ويقعدون بقعوده ويفعلون كفعله ، لا تخالف بينهم ، فلما سمع الملك ذلك راعه وقال : ما لي ولهؤلاء ، ما لي ولعمر ، ونقل أبو حيان عن مكحول أنه بلغ من تابع النبي صلىاللهعليهوسلم ليلة الجن سبعين ألفا وفرغوا عند انشقاق الفجر.
ولما كان الداعي لولي نعمته يمكن أن يكون أشرك غيره في دعائه ولو بأدنى وجوه الإشراك ، ويكون الحصر باعتبار الأغلب فاستحق الإنكار عليه والازدحام ، نفى ذلك بقوله تأكيدا لمعنى الحصر وتحقيقا له : (وَلا أُشْرِكُ بِهِ) أي الآن ولا في مستقبل الزمان
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
