اللين ، أتبعه ما يعلم أن ذلك خارقة لأجله صلىاللهعليهوسلم كانت ، ولإعظامه وإكرامه وجدت ، فقال حكاية عنهم مؤكدين لأن الكلام السابق ظاهر في سلامة طباع الكل : (وَأَنَّا مِنَّا) أي أيها الجن (الصَّالِحُونَ) أي العريقون في صفة الصلاح التي هي مهيئة لقبول كل خير.
ولما كان غير الصالح قد يكون فاسدا بأن يكون مباشرا للفساد قاصدا له وقد يكون غير مباشر له ، قالوا متفطنين لمراتب العلوم والأعمال المقربة والمبعدة : (وَمِنَّا) وبنى الظرف المبتدأ به لإضافته إلى مبني فقيل : (دُونَ) أي قوم في أدنى رتبة من (ذلِكَ) أي هذا الوصف الشريف العالي.
ولما كان من دون الصالح ذا أنواع كثيرة بحسب قابليته للفساد أو الصلاح وتهيؤه له أو بعده عنه ، حسن بيان ذلك بقولهم : (كُنَّا) أي كونا هو كالجبلة (طَرائِقَ) أي ذوي طرق أي مذاهب ووجوه كثيرة ، وأطلقوا الطرق على أصحابها إشارة إلى شدة تلبسهم بها.
ولما كان الانفصال قد يكون بأدنى شيء ، بين أنه على أعلى الوجوه فأطلق عليهم نفس المنقطع ووصفهم به فقال : (قِدَداً) أي فرقا متفرقة أهواؤها ، جمع قدة وهي الفرقة من الناس هواها على غير هواهم ، من القد وهو القطع الموجب للتفرق العظيم مثل السيور التي تقطع من الجلد وقد منه بحيث تصير كل فرقة على حدتها ، قال الحسن والسدي : كافرين ومسلمين ورافضة ومعتزلة ومرجئة وغير ذلك مثل فرق الإنس.
ولما دلوا على قهرهم عما كانوا يقدرون عليه من أمر السماء بما ذكروا ، وعلى قهر مفسديهم بهذا القرآن عن كثير مما كانوا يفعلونه بأهل الأرض ، فقهروا بهذا القرآن العظيم الشأن في الحقيقة عن الخافقين فمنعنا منهم وحفظا به ، ودلوا على أنهم موضع القهر بالتفرق ، كان ذلك موجبا للعلم بشمول قدرته تعالى حتى لا يدركه طالب ، ولا ينجو منه هارب ، لما أبدى لهم من شؤون عظمته وقهره في الحراسة وغيرها ، فذكر سبحانه ما أثر ذلك عندهم من الاعتراف والإذعان للواحد القهار ، فقال حاكيا عنهم ذلك ندبا إلى الاقتداء بهم في معرفة النفس بالعز والذل والضعف بالتفرق والانقسام ، ومعرفة الرب سبحانه بالقدرة الكاملة والسلطان والعظمة بالتفرد التام الذي لا يقبل المماثلة ولا القسمة : (وَأَنَّا) أكدوا لظن الإنس في قوتهم غير ما هو لها (ظَنَنَّا) أطلقوا الظن على العلم إشارة إلى أن العاقل ينبغي له أن يجتنب ما يخيله ضارا ولو بأدنى أنواع الحيل فكيف إذا تيقن (أَنْ) أي أن الشأن العظيم ، وزادوا في التأكيد لما تقدم فقالوا : (لَنْ نُعْجِزَ اللهَ) أي أن نقاومه إن أراد بنا سوءا لما له من الإحاطة بكل شيء علما وقدرة لأنه واحد لا مثل له ، ودلوا على وجه الضعف بقولهم : (فِي الْأَرْضِ) أي كائنين فيها
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
