ولما علم من قولهم أن مستند الضلال ظنون وشبه متى حكت على محك النظر بان فسادها ، وأظهر زيفها نقادها ، أتبعه شبهة أخرى زادت الفريقين ضلالا بعضهم ببعض للتقيد بالمحسوسات ، والوقوف مع الخيالات الموهومات ، فقال حاكيا عنهم تنبيها على عدم الاغترار بالمدح والإطراء الموجبين للغلط في النفس وعلى أنه يجب التثبت حتى لا يقع الغلط في الأسباب المسخرة فيظن أنها مؤثر فيتجاوز بها الحد عن رتبة الممكنات إلى رتبة الواجب ، مؤكدين لأنه لا يكاد يصدق أن الجن يخاطبهم الإنس فيكارمونهم : (وَأَنَّهُ) أي الشأن (كانَ رِجالٌ) أي ذوو قوة وبأس (مِنَ الْإِنْسِ) أي النوع الظاهر في عالم الجنس (يَعُوذُونَ) أي يلجؤون ويعتصمون ـ خوفا على أنفسهم وما معهم ـ إذا نزلوا واديا (بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِ) أي القبيل المستتر عن الأبصار فإنه كان القوم منهم إذا نزلوا واديا أو غيره من القفر تعبث بهم الجن في بعض الأحيان لأنه لا مانع لهم منهم من ذكر الله تعالى ولا دين صحيح ، ولا كتاب من الله صريح ، فحملهم ذلك على أن يستجيروا بعظمائهم فكان الرجل يقول عند خوفه : إني أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر سفهاء قومه أو نحو هذا فلا يرى إلا خيرا ، وربما هدوه إلى الطريق وردوا عليه ضالته ، فكان ذلك فتنة للإنس باعتقادهم في الجن غير ما هم عليه ، فتبعوهم في الضلال ، وفتنة الجن بأن يغتروا بأنفسهم ويقولوا سدنا : الجن والإنس ، فيضلوا ويضلوا ، ولذلك سبب عنه قوله : (فَزادُوهُمْ) أي الإنس الجن باستعاذتهم هذه المرتب عليها إعاذتهم ، والجن الإنس بترئيس الإنس لهم وخوفهم منهم (رَهَقاً) أي ضيقا وشدة وغشيانا لما هم فيه من أحوال الضلال التي يلزم منها الضيق والشدة ، وأصل الرهق غشيان بقوة وشدة وقهر ، وقال البغوي : والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم. كما يتفق لمن يسلك من أهل التصوف على غير أصل فيرى في أثناء السير أنوارا وأشياء تعجبه شيطانية فيظنها رحمانية ، فيقف عندها ويأنس بها لفساد في أصل جبلته نشأ عنه سوء مقصده ، فربما كان ذلك سببا لكفره فيزداد هو وأمثاله من الإنس ضلالا ويزداد من أضله من الجن ضلالا وإضلالا وعتوا ، ويزداد الفريقان بعدا عن اللجأ إلى الله وحده ، ولقد أغنانا الله سبحانه وتعالى بالقرآن والذكر المأخوذ عن خير خلقه بشرطه في أوقاته عن كل شيء كما أخبر صلىاللهعليهوسلم أن من قال عند إتيانه الخلاء «بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (١) ستر عن الجن ، وأن من قال إذا أتى امرأته «اللهم
__________________
(١) أخرجه البخاري ١٤٢ و ٦٣٢٢ ومسلم ٣٧٥ وأبو داود ٤٠ و ٥ والترمذي ٦ والنسائي ١ / ٢٠ وابن ماجه ٢٩٨ وابن حبان ١٤٠٧ والبيهقي ١ / ٩٥ وأحمد ٣ / ١٠١ و ٢٨٢ من حديث أنس.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
