القرآن ، فلم يزل صوته يرتفع واختفوا بالأرض حتى ما أراهم» (١) قال الأصبهاني : وقيل : كانوا من بني الشيصبان وهم أكثر الجن عددا وهم عامة جنود إبليس ، وقال القشيري : لما رجمت الشياطين بالشهب فرق إبليس جنوده لعلم ذلك فأتى سبعة منهم بطن نخلة فاستمعوا قراءة النبي صلىاللهعليهوسلم فآمنوا ثم أتوا قومهم فقالوا : يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا ، يعني ولم يرجعوا إلى إبليس لما علموه من كذبه وسفاهته ، وجاؤوا إلى النبي صلىاللهعليهوسلم في سبعين من قومهم فأسلموا ، فذلك قوله تعالى : (وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ) [الأحقاف : ٢٩] الآيات (فَقالُوا) أي فتسبب عن استماعهم أن قال من سمع منهم لمن لم يسمع ، أو لمن كان يواخيهم من الإنس امتثالا لقول النبي صلىاللهعليهوسلم «رحم الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها فأداها كما سمعها» وكان قولهم سكونا إلى هذا القرآن وأنسابه ، مؤكدين لبعد حالهم عن سماع الوحي وعلمهم بما زاد به من الإعجاز : (إِنَّا) بالكسر لأنه مبتدأ محكي بعد القول (سَمِعْنا) حين تعمدنا الإصغاء وألقينا إليه أفهامنا (قُرْآناً) أي كلاما هو في غاية الانتظام في نفسه والجمع لجميع ما نحتاج إليه ، ثم وصفوه بالمصدر مبالغة في أمره فقالوا : (عَجَباً) أي بديعا خارجا عن عادة أمثاله من جميع الكتب الإلهية فضلا عن كلام الناس في جلالة النظم وإعجاز التركيب والوضع مع الموافقة لها في الدعوة إلى الله تعالى والبيان للمحاسن والمساوىء والدعاء إلى كل فلاح حتى صار نفس العجب ، والعجب ما خرج عن حد أشكاله ونظائره فخفي سببه ، وهذا يدل على قوتهم العلمية في فصاحتهم وكمالهم في علم الرسوم ، وصوغ الكلام على أبلغ جهات النظوم.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم ذكر حال كفار قريش في تعاميهم عن النظر وجريهم في اللدد والعناد حسبما انطوت عليه سورة ن والقلم ، ثم أتبعت بوعيدهم في الحاقة ثم بتحقيقه وقرب وقوعه في المعارج ثم بتسليته عليه الصلاة والسّلام وتأنيسه بقصة نوح عليه الصلاة والسّلام مع قومه ، أعقب ذلك بما يتعظ به الموفق ويعلم أن القلوب بيد الله : فقد كانت استجابة معاندي قريش والعرب أقرب في ظاهر الأمر لنبي من جنسهم ومن أنفسهم فقد تقدمت لهم معرفة صدقه وأمانته ، ثم جاءهم بكتاب بلسانهم الذي به يتحاورون ولغتهم التي بها يتكلمون ، فقد بهرت العقول آياته ، ووضحت لكل ذي قلب سليم براهينه ومعجزاته ، وقد علموا أنهم لا يقدرون على
__________________
(١) أخرجه مسلم ٤٥٠ وأبو داود ٨٥ مختصرا والترمذي ١٨ و ٤٢٥٨ وابن حبان ١٤٣٢ والبيهقي ١ / ١٠٨ ـ ١٠٩ وابن خزيمة ٨٢ من حديث ابن مسعود.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
