ولما أخبر بأنه بالغ في الدعوة إلى حد لا مزيد عليه ، فلم يدع من الأوقات ولا من الأحوال شيئا ، سبب عنه بيان ما قال في دعوته وهو التسبب في السعادة كلها بدفع المضار وجلب المسار ، فقال مقدما لطلب الغفران بالتوبة عن الكفر ليظهروا فيكونوا قابلين للتحلية بالمحاسن الدينية بعد التخلية عن الأخلاق الدنية : (فَقُلْتُ) أي في دعائي لهم : (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) أي اطلبوا من المحسن إليكم ، المبدع لكم ، المدبر لأموركم ، أن يمحو ذنوبكم أعيانها وآثارها ، بالرجوع عن عبادة غيره إلى الإخلاص في عبادته.
ولما ذكر أنه استعطفهم أولا ببيان أن رجوعهم ممكن ، لئلا يقولوا : إنا قد بالغنا في المعاصي فلا نقبل ، وأعلمهم أن الاستغفار باب الدخول إلى طاعة الجبار ، أكد ذلك الاستعطاف بقوله معللا للأمر ولجوابه بنحو : يغفر لكم ، مؤكدا لأجل توقفهم : (إِنَّهُ كانَ) أي أزلا وأبدا ودائما سرمدا (غَفَّاراً) أي متصفا بصفة الستر على من رجع إليه على أبلغ الوجوه وأعلاها ، وإذا وقع الغفران دفع المضار كلها.
ولما قرر أمر التوبة وبين قبولها وقدمه اهتماما به لأنه أصل ما يبتنى عليه ، ولأن التخلي قبل التحلي ، ودرء المفاسد قبل جلب المصالح والفوائد ، رغب فيها بما يكون عنها من الزيادة في الإحسان على أصل القبول ، وينشأ عن الاستغفار من الآثار الكبار من الأفضال بجلب المسار بما هو مثال للجنة التي كان سبب الإخراج منها النسيان لأنهم أحب شيء في الأرباح الحاضرة والفوائد العاجلة لا سيما بما يبهج النفوس ويشرح الصدور لإذهابه البؤس ، فقال مجيبا لفعل الأمر : (يُرْسِلِ السَّماءَ) أي المظلة الخضراء أو السحاب أو المطر (عَلَيْكُمْ) أي بالمطر وأنواع البركات (مِدْراراً) أي حال كونها كثيرة الدرور متكررته ، وهذا البناء يستوي فيه المذكر والمؤنث (وَيُمْدِدْكُمْ) أظهر لأن الموضع لإرادة المبالغة والبسط والسعة (بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ) وذلك يفهم أن من أكثر الاستغفار حباه الله ما يسره ، وحماه ما يضره (وَيَجْعَلْ لَكُمْ) أي في الدارين (جَنَّاتٍ) أي بساتين عظيمة ، وأعاد العامل للتأكيد والبسط لأن المقام له فقال : (وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً) يخصكم بذلك عمن لم يفعل ذلك ، فإن من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، روى أن عمر رضي الله عنه استسقى فلم يزد على الاستغفار فلما نزل قيل : يا أمير المؤمنين! ما رأيناك استسقيت؟ فقال : لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي بها يستنزل القطر ، ثم قرأ هذه الآية ، وقال القشيري : من وقعت له إلى الله حاجة فلن يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار ، وقال : إن عمل قوم نوح كان بضد ذلك ، كلما ازداد نوح في الضمان ووجوه الخير والإحسان ازدادوا في الكفر والنسيان.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
