أي هؤلاء الذين يسألون عنه سؤال استهزاء ويستبعدونه ، وقراءة أبي بكر عن عاصم بالبناء للمفعول على طريقة كلام القادرين تدل على أنه مما هو في غاية السهولة (مِنَ الْأَجْداثِ) أي القبور التي صاروا بتغيبهم فيها تحت وقع الحافر والخف ، فهم بحيث لا يدفعون شيئا يفعل بهم بل هم كلحم في فم ماضغ ، فإن الجدث القبر والجدثة صوت الحافر والخف ومضغ اللحم (سِراعاً) أي نحو صوت الداعي.
ولما كانت عادة الإنسان الإسراع إلى ما يقصده من الأعلام المنصوبة ، وعادتهم ـ هم بالخصوص ـ المبادرة إلى الأنصاب التي يعبدونها ما هي عليه من الخساسة خفة منهم في العلوم وطيشا في الحلوم قال : (كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ) أي علم منصوب مصدر بمعنى المفعول كما تقول : هذا نصب عيني وضرب الأمير ـ هذا على قراءة الجماعة بالفتح ، وعلى قراءة ابن عامر وحفص بالضم : إلى علم أو شيء يعبدونه من دون الله على ما فيه من الداء القاتل والبلاء ، أو حجر يذبحون عليه ، قال في الجمع بين العباب والمحكم : النصب والنصب والنصب : الداء والبلاء ، والنصب كل ما نصب فجعل علما ، والنصب والنصب : العلم المنصوب ، والنصب والنصب : كل ما عبد من دون الله ، والجمع أنصاب ، والأنصاب حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهل عليها ويذبح عليها لغير الله ، وانصاب الحرم : حدوده ، وقال أبو حيان : والنصب ما نصب للإنسان فهو يقصده مسرعا إليه من علم أو بناء أو صنم ، وغلب في الأصنام حتى قيل : الأنصاب (يُوفِضُونَ) أي يعجلون عجلة من هو ذاهب إلى ما يسره حتى كأنه يطرد إليه كما كانوا يسرعون إلى أنصابهم.
ولما كان إيفاضهم إلى الأنصاب على حال السرور ، أخبر أن هذا على خلاف ذلك ، وأن ذكر النصب وتصوير حالة الإتيان إليه ما كان إلا تهكما بهم فقال : (خاشِعَةً) أي منكسرة متواضعة لما حل بها من الذل والصغار ، وألحقها علامة التأنيث زيادة في هذا المعنى ومبالغة فيه بقوله : (أَبْصارُهُمْ).
ولما كان خشوعها دائما فعبر بالاسم ، وكان ذلهم يتزايد في كل لحظة ، عبر بالفعل المضارع المفيد للتجدد والاستمرار فقال : (تَرْهَقُهُمْ) أي تغشاهم فتعمهم ، وتحمل عليم فتكلفهم كل عسر وضيق على وجه الإسراع إليهم (ذِلَّةٌ) ضد ما كانوا عليه في الدنيا لأن من تعزز في الدنيا على الحق ذل في الآخرة ، ومن ذل للحق في الدنيا عز في الآخرة.
ولما صوره بهذه الصورة أشار إلى أن هذا ما تدركه العقول من وصفه وأنه أعظم
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
