والكونيات لأن بالعافية في الكونيات تطيب الحياة في الدنيا ، وبالعافية في الدينيات تطيب الحياة في الآخرة فتكون العيشة راضية ، وذلك بأن يصير عمله كله صوابا في سرائه وضرائه فيترك كل فاحشة دينية بدنية وباطنة قلبية ويترك الهلع في المصائب الكونية كالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات وذلك لأنه بصلاح القلب ينصلح البدن كله.
ولما كان التقدير تعليلا لذلك : فالله على كل شيء قدير فهو لا يدع شيئا يكون إلا بإذنه ، عطف عليه قوله : (وَاللهُ) أي الملك الذي لا نظير له (بِكُلِّ شَيْءٍ) مطلقا من غير مثنوية (عَلِيمٌ) فإذا تحقق من هدى قلبه ذلك زاح كل اعتقاد باطل من كفر أو بدعة أو صفة خبيثة. ولما كان التقدير : فاصبروا عند هجوم المصائب ، عطف عليه قوله تحذيرا من أن يشتغل بها فتوقع في الهلاك وتقطع عن أسباب النجاة دالا على تعلم أمور الدين من معاداتها مشيرا إلى أن العبادة لا تقبل إلا بالاتباع لا بالابتداع : (وَأَطِيعُوا اللهَ) أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله فافعلوا في كل مصيبة ونائبة تنوبكم وقضية تعروكم ما شرعه لكم ، وأكد بإعادة العامل إشارة إلى أن الوقوف عند الحدود ولا سيما عند المصائب في غاية الصعوبة فقال : (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) أي الكامل في الرسلية ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فإنه المعصوم بما خلق فيه من الاعتدال وما زكى به من شق البطن وغسل القلب مرارا ، وما أيد به من الوحي ، فما كانت الأفعال بإشارة العقل مع الطاعة لله والمتابعة لرسوله صلىاللهعليهوسلم في كل إقدام وإحجام كانت معتدلة ، سواء كانت شهوانية أو غضبية ، ومتى لم تكن كذلك كانت منحرفة إلى أعلى وإلى أسفل فكانت مذمومة ، فإن الله تعالى بلطف تدبيره ركب في الإنسان قوة غضبية دافعة لما يهلكه ويؤذيه ، وقوة شهوانية جالبة لما ينميه ويقويه ، فاعتدال الغضبية شجاعة ونقصها جبن وزيادتها تهور ، فالناس باعتبارها جبان وشجاع ومتهور ، واعتدال الشهوانية عفة ونقصانها زهادة وزيادتها شره ، والناس باعتبارها زهيد وعفيف وشره ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، وميزان العدل متابعة الرسول صلىاللهعليهوسلم فيما شرعه ، فبذلك تنزاح الفتن الظاهرة والباطنة ، ولا طريق إلى الله إلا بما شرعه ، وكل طريق لم يشرعه ضلال من الكفر إلى ما دونه ، ثم سبب عن أمره ذلك قوله معبرا بأداة الشك إشارة إلى البشارة بحفظ هذه الأمة من الردة ومشعرا بأن بعضهم يقع منه ذلك ثم يقرب رجوعه أو هلاكه : (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) أي كلفتم أنفسكم عند ما تدعو إليه الفطرة الأولى من الإعراض عن هذا النور الأعظم والميل إلى طرف من الأطراف المفهومة من طرفي القصد فما على رسولنا شيء من توليكم (فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا) أضافه إليه على وجه العظمة تعظيما له وتهديدا لمن يتولى عنه (الْبَلاغُ الْمُبِينُ) أي الظاهر
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
