الإعراض عن الأخرى ، قال دالا على إدباره بقلبه : (وَجَمَعَ) أي كل ما كان منسوبا إلى الدنيا.
ولما كانت العادة جارية بأن من كانت الدنيا أكبر همه كان همه بجمعه الاكتناز لا الإنفاق ، سبب عن جمعه قوله : (فَأَوْعى ) أي جعل ما جمعه في وعاء وكنزه حرصا وطول أمل ولم يعط حق الله فيه ، فكان همه الإيعاء لا إعطاء ما وجب من الحق إقبالا على الدنيا وإعراضا عن الآخرة.
ولما كان من أعجب العجب أن يقبل على الدنيا أحد يسمع هذا التهديد بالعرض بين يدي الله والعقاب لمن لم يقبل على عبادته سبحانه ، بين أن ذلك لما جبله عليه سبحانه وأن الإنسان مقهور مع جبلته إلا من حفظه الله ، وذلك دال من كلا الطرفين على عظيم قدرته سبحانه ، قال مؤكدا لاقتضاء المقام للتأكيد لأن الإنسان لو خوف بالعرض على بعض الأمراء ما لابس ما يغضبه فكيف بالعزيز الحكيم القدير العليم : (إِنَّ الْإِنْسانَ) أي هذا الجنس ، عبر به لما له من الأنس بنفسه والرؤية لمحاسنها والنسيان لربه ولذنبه.
ولما دعا الحال إلى بيان الجبلة الداعية إلى ما يقتضيه باختيار صاحبها على وجه كأنه إلجاء بيانا لسهولة الأمور عليه سبحانه بنى للمفعول قوله : (خُلِقَ هَلُوعاً) أي جبل جبلة هو فيها بليغ الهلع وهو أفحش الجزع مع شدة الحرص وقلة الصبر والشح على المال والرغبة فيما لا ينبغي ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه الحريص على ما لا يحل له ، وروي عنه أن تفسيره ما بعده.
ولما كان الهلع شدة الحرص وقلة الصبر ، نشر معناه فقال مقدما المعمول الذي هو الظرف على العامل بيانا لإسراعه في ذلك : (إِذا مَسَّهُ) أي أدنى مس (الشَّرُّ) أي هذا الجنس وهو ما تطاير شرره من الضر (جَزُوعاً) أي عظيم الجزع ، وهو ضد الصبر بحيث يكاد صاحبه ينقد نصفين ويتفتت (وَإِذا مَسَّهُ) أي كذلك (الْخَيْرُ) أي هذا الجنس وهو ما يلائمه فيعينه من السعة في المال وغيره من أنواع الرزق (مَنُوعاً) أي مبالغا في الإمساك عما يلزمه من الحقوق للانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليه وقوفا مع المحسوس لغلبة الجمود والبلادة ، وهذا الوصف ضد الإيمان ، لأنه نصفان : صبر وشكر.
(إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
