في الأزل غيبا من تكذيب وإيمان فتستحقون بذلك العقاب أو الثواب ، فلذلك وجب في الحكمة التي لا يكذب بها أحد ولا يشك في أنها خاصة الملك المظهرة للكمال أن يعيد الخلق إلى ما كانوا عليه من أجسامهم قبل الموت لنحكم بينهم فنجازي كلّا بما يليق به إظهارا للعدل.
ولما كان سبب التكذيب ستر ما تجليه مرائي العقول من الدلائل ، وكان التقدير : فإنه بشرى للمؤمنين ، ولكنه طواه لأن السيق للتهديد بالحاقة ، عطف عليه قوله مؤكدا لما لهم من التكذيب به ، (وَإِنَّهُ) أي القرآن العظيم (لَحَسْرَةٌ) أي بما يرى من تأويله في الدنيا والآخرة (عَلَى الْكافِرِينَ) أي العريقين في الكفر لكونهم كذبوا به لما يظهر لهم من جزائهم وجزاء المؤمنين.
ولما كان كل من الفريقين يذوق جزاءه في الآخرة ، ه وكان كل أحد سمع القرآن ذاق أنه لا يقدر على الإتيان بشيء يماثله ولا يدانيه ، قال مؤكدا تنزيلا لهم في عداد الجاهلين : (وَإِنَّهُ) أي القرآن أو الجزاء في يوم الجزاء (لَحَقُّ الْيَقِينِ) أي الأمر الثابت الذي يذاق فيصير لا يقبل الشك فهو يقين مؤكد بالحق. من إضافة الصفة إلى الموصوف ، وهو فوق علم اليقين ، وفي ذلك إشارة إلى أن العبد ينبغي له أن يتحقق لذلك معرفة الحق فيكون مشاهدا للغيوب كمشاهدة المرئيات لما يشاهد من أمثالها ، فأمر البعث يشاهد كل يوم في الليل والنهار وفي العام في النبات وغير ذلك.
ولما كان البعث لهذا المقصد من أعظم الكمال ، وكان عدمه موجبا للنقص ، سبب عن كلا الأمرين إشارة وعبارة قوله آمرا بعد الإخبار في أول المسبحات : (فَسَبِّحْ) أي أوقع التنزيه الكامل عن كل شائبة نقص (بِاسْمِ) أي بسبب علمك بصفات (رَبِّكَ) أي الموجد والمربي لك والمحسن إليك بأنواع الإحسان (الْعَظِيمِ) الذي ملأت الأقطار كلها عظمته ، وزادت على ذلك بما شاءه سبحانه مما لا تسعه العقول لا سيما عن قولهم : لن يعيدنا ، فإنه سبحانه وتعالى قادر على ذلك لا يعجزه شيء ، وقد وعد بذلك وهو صادق الوعد ، وعدم البعث مخل بالحكمة لظلم أكثر الناس ، وفيه إشارة إلى المتاركة ، وتعجيب من حالهم في تصميمهم على الكذب والعناد ، والجلد على الجدل والفساد ، فقد رجع آخر السورة على أولها بإحقاق الحاقة لنفي ما وقع الخبط فيه في دار الاحتجاب بالأسباب من مواقع النقص ومظنات اللبس ، فيثبت الحق وينفي الباطل فيفرق بين المحسن والمسيء والسعيد والشقي ، فيحق السّلام لحزب الرحمن ، ويثبت الهلاك لأصحاب الشيطان ، ويظهر اسمه الظاهر لكل مؤمن وكافر ، إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب والله الهادي.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
