السعادات بأكثر من العيشة الراضية بمعنى أن أهلها راضون بها ، والمعتبر في كمال اللذة الرضى أو أنه لو كان للعيشة عقل لرضيت لنفسها بحالتها.
ولما شوق سبحانه إلى حال صاحب هذه العيشة ، وكانت أمرا إجماليا ، فصلها وبينها بالإبدال منها زيادة في التشويق فقال : (فِي جَنَّةٍ) أي بساتين جامعه لجميع ما يراد منها.
ولما كان شرف المسكن العلو قال : (عالِيَةٍ) أي في المكان والمكانة والأبنية والدرجات والأشجار وكل اعتبار.
ولما كان من شأن المعالي عسر الوصول إليه قال : (قُطُوفُها) أي جمع كثرة لقطف ـ بالكسر وهو ما يجنى من الثمرات المجتمعة في عرق من عروقه (دانِيَةٌ) أي قريبة المأخذ سهلة التناول جدا ، لراكب والقائم والقاعد والمضطجع ، كل ذلك على حد سواء دائما من غير انقطاع ولا كلفة على أحد من أهلها في تناول شيء من ذلك.
ولما كان كون الثمار بهذه الصفة دالا على كثرة الري ، وكثرة الري دالة على المشرب ، وكانت من مفردات اللفظ عامة المعنى ، فكان قد أفرد الضمائر باعتبار لفظها تنصيصا على كل فرد فرد جمع باعتبار المعنى إعلاما باشتراك جميع أهلها في النعم حال الانفراد والاجتماع فقال : (كُلُوا وَاشْرَبُوا) أي مولى لهم ذلك إشارة إلى أن ذلك لا مانع منه وإلى أنهم يؤمرون به صريحا دلالة على رضا صاحب الجنة لئلا يتنغص عليهم عيشهم بنوع من الأنواع الموهمة للخطر ، وحذف المفعول إيذانا بالتعميم لئلا يظن أنه يستثني منها شيء فيكون سبب الفتنة كما وقع لآدم صلوات الله وسلامه عليه.
ولما كان المآكل والمشارب في هذه الدار تورث التخم والأمراض وفيها ما لا يلذ ، وكان ما وقع لأبينا آدم وأمنا حواء عليهما الصلاة والسّلام على أكلة واحدة من وخامة العاقبة معروفا ، قال مؤمنا من ذلك : (هَنِيئاً) أي أكلا طيبا لذيذا شهيا مع البعد عن كل أذى وسلامة العاقبة بكل اعتبار ولا فضلة هناك من بول ولا غائط ولا بصاق ولا مخاط ولا قرف ولا قذر ولا وهن ولا صداع ولا ثقل ولا شيء مؤذ.
ولما شوق إلى المسببات حملهم على أسبابها وحضهم على المسابقة في تحصيلها والمثابرة والمداومة على الاستكثار منها ؛ فقال زيادة في لذتهم بأن ذلك على وجه العوض لا امتنان عليهم في شيء منه لأحد من الخلق ، فإن أحب ما إلى الإنسان أن يأكل مما أفادته يمينه وحصله بعمله مع ما في ذلك من الشرف : (بِما أَسْلَفْتُمْ) أي أعطيتم من أنفسكم لآخرتكم طوعا من الأعمال الصالحة وبما تركتم من الدنيا مما هو
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
