بالتعطيل الذي هو أنحس أنواع الكفر للقول بالطبيعة التي تتضمن الإنكار للبعث ، وكان إغراقهم بما يكذب معتقدهم لخروجه عن العادة ، فقال منبها على قوة كفرهم بالمجيء : (وَجاءَ) أي أتى إتيانا عاليا شديدا (فِرْعَوْنُ) أي الذي ملكناه على طائفة من الأرض فعتى وتجبر وادعى الإلهية ناسيا هيبتنا وقدرتنا بنقمتنا وأنكر الصانع وقال بالطبائع (وَمَنْ قَبْلَهُ) أي في جهته وفي حيزه وما يليه وفي السير بسيرته من العلو في الأرض بغير الحق والعتو في الكفر ، وهو ظرف مكان ، هكذا على قراءة البصريين والكسائي بكسر القاف وفتح الموحدة ، فعم ذلك كل من كان كافرا عاتيا من قبله ومن بعده ، وهو معنى قراءة الباقين بفتح القاف وإسكان الباء الموحدة على أنه ظرف يقابل «بعد» بزيادة.
ولما كان قوم لوط عليهالسلام قد جمعوا أنواعا من الفسوق لم يشاركهم فيها أحد ، فاشتمل عذابهم على ما لم يكن مثله عذاب ، فكان كل من فعلهم الذي لم يسبقهم به أحد من العالمين وعذابهم الذي ما كان مثله قبل ولا بعد ، رادا على أهل الطبائع ، نص عليهم من بين من دخل فيمن قبله على القراءتين فقال : (وَالْمُؤْتَفِكاتُ) أي أهل المدائن المنقلبات بأهلها حتى صار عاليها سافلا لما حصل لأهلها من الانقلاب حتى صاروا إياه واتبعت حجارة الكبريت وخسف بها وغمرت بما ليس في الأرض مثله وهي قرى قوم لوط عليهالسلام (بِالْخاطِئَةِ) أي الخطأ أو الأفعال ذات الخطأ التي تتخطى منها إلى نفس الفعل القبيح من اللواط والصفع والضراط مع الشرك وغير ذلك من أنواع الفسق والعناد والطغيان.
ولما كان الرسل كلهم جميعا كالفرد الواحد لاتفاق مقاصدهم في الدعاء إلى الله والحمل على طاعته ، قال مستأنفا مسببا عن مجيئهم بذلك موحدا في اللفظ ما هو صالح للكثير بإرادة الجنس : (فَعَصَوْا) أي خالفوا ونابذوا (رَسُولَ رَبِّهِمْ) أي خالفت كل أمة من أرسله المحسن إليها بإبداعها من العدم وإيداعها القوى وترزيقها وبعث رسولها لإرشادها اغترارا بإحسانه ولم يجوزوا أن المحسن يقدر على الضر كما قدر على النفع ، لأنه الضار كما أنه النافع فللتنبيه على مثل ذلك لا يجوز نقل أحد الاسمين عن الآخر ، وسبب عن العصيان قوله : (فَأَخَذَهُمْ) أي ربهم أخذ قهر وغضب (أَخْذَةً) لم يبق من أمة منهم أحدا ممن كذب الرسول فلم يكن كمن ينصر على عدو من الآدميين لا بد أن يفوته كثير منهم وإن اجتهد في الطلب ، وما ذاك إلا لتمام علمه سبحانه وتعالى بالجزئيات والكليات ، وشمول قدرته ، وتلك الأخذة ـ مع كونها بهذه العظمة من أنها أخذتهم كنفس واحدة ـ جعلها سبحانه (رابِيَةً) أي عالية عليهم علية القدر في قوة البطش وشدة الفتك زائدة عن الحد نامية بقدر زيادة أعمالهم في القبح ، والربا : النمو ،
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
