بذكر الوعيد الأخراوي (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ) [الحاقة : ١٨] ثم عاد الكلام إلى ما بنيت عليه سورة (ن وَالْقَلَمِ) من تنزيهه صلىاللهعليهوسلم وتكريمه مقسما على ذلك (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ) ـ (وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ) [الحاقة : ٤١ ، ٤٢] وانتهى نفي ما تقوله منصوصا على نزاهته عن كل خلة منها في السورتين (ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) [القلم : ٢] وما الذي جئت به بقول شاعر ولا بقول كاهن بل هو تنزيل من رب العالمين ، وأنه لتذكرة للمتقين وإنه لحق اليقين ، فنزه ربك وقدسه من عظيم ما ارتكبوه ـ انتهى. فلما بلغ التهويل حده ، وكان سبب الإنكار للساعة ظن عدم القدرة عليها مطلقا أو لعدم العلم بالجزئيات ، قال دالا على تمام القدرة والعلم بالكليات والجزئيات محذرا من أنكرها بأنه قادر على تعجيل الانتقام ولكنه لإكرامه لهذه الأمة أخر عذابها إلى الآخرة إلا لمن كان منهم من الخواص فإنه يظهرهم في الدنيا ليتم نعيمهم بعد الموت بادئا بأشد القبائل تكذيبا بالبعث لكون ناقتهم أول دليل على القدرة عليه ، وقالوا مع ذلك (أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ) [القمر : ٢٤] إلى أن قالوا : (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) [القمر : ٢٥] وقالوا في التكذيب بها (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ) [المؤمنون : ٣٥ ، ٣٦ ، ٣٧] ـ الآيات ، فإن الأمر فيهم دائر بين عاد وثمود : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ) وتقديمهم أيضا من حيث أن بلادهم أقرب إلى قريش ، وواعظ القرب أكبر وإهلاكهم بالصيحة وهي أشبه بصيحة النفخ في الصور المبعثر لما في القبور (وَعادٌ) وكان الأصل أن يقال : بها ، ولكنه أظهرها بوصف زادها عظما وهو لا فقال : (بِالْقارِعَةِ) أي التي تقرع ، أي تضرب ضربا قويا وتدق دقا عنيفا شديدا للأسماع وجميع العالم بانفطار السماوات وتناثر النيرات ونسف الجبال الراسيات ، فلا يثبت لذلك الهول شيء.
ولما جمعهم في التكذيب ، فصلهم في التعذيب لأجل ذلك التكذيب فقال : (فَأَمَّا ثَمُودُ) وهم قوم صالح عليهالسلام.
ولما كان الهائل لهم لتقيدهم بالمحسوسات إنما هو العذاب ، لا كونه من معين ، بنى للمجهول قوله : (فَأُهْلِكُوا) أي بأيسر أمر من أوامرنا (بِالطَّاغِيَةِ) أي الصيحة التي جاوزت الحد في الشدة فرجفت منها الأرض والقلوب.
ولما ذكر المهلكين بالصيحة لأجل التكذيب بالقارعة تحذيرا لمن يكذب بها ، أتبعه المهلكين بما هو سبب لإنفاذ الصيحة وتقويتها دلالة على تمام القدرة على كل نوع من العذاب بالاختيار فقال تعالى : (وَأَمَّا عادٌ) وهم قوم هود عليهالسلام (فَأُهْلِكُوا) أي بأشق ما يكون عليهم وأيسر ما يكون في قدرتنا (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ) أي هي في غاية ما
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
