الضمير ليكون الواحد مهددا من باب الأولى : (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) أي فنأخذهم بعظمتنا عما قليل على غرة بوعد لا خلف فيه وندنيهم إلى الهلاك درجة درجة بواسطة من شئنا من جنودنا وبغير واسطة بما نواتر عليهم من النعم التي توجب عليهم الشكر فيجعلونها سببا لزيادة الكفر فنوجب لهم النقم.
ولما كان أخذ الإنسان من مأمنه على حالة غفلة بتوريطه في أسباب الهلاك حتى لا يحس بالهلاك إلا وهو لا يقدر على التفصي فيها بوجه قال تعالى : (مِنْ حَيْثُ) أي من جهات (لا يَعْلَمُونَ) أي لا يتجدد لهم علم ما في وقت من الأوقات بغوائلها ، وذلك أنه سبحانه يغرهم بالإمهال ولا يعاجلهم بالعقاب في وقت المخالفة كما يتفق لمن يراد به الخير فيستيقظ بل يمهلهم ويمدهم بالنعم حتى يزول عنهم خاطر التذكر فيكونوا منعمين في الظاهر مستدرجين في الحقيقة فيقولون : قد قلتم : إن القدر فائض عن القضاء وأن الأعمال قضاء وجزاءها قدر ، ويقولون : إن أفعالنا في الدنيا قبيحة ونحن لا نرى جزاءها إلا ما يسرنا لو لا يعذبنا الله بما نقول فأنتم كاذبون في توعدنا فإنا كلما أحدثنا ما تسمونه معصية تجددت لنا نعمة ، وذلك كما قادهم إلى تدريجهم وهم في غاية الرغبة ، قال القشيري : والاستدراج أن يريد السيىء ويطوي عن صاحبه وجه القصد حتى يأخذه بغتة فيدرج إليه شيئا بعد شيء.
ولما كان الاستدراج يكون بأسباب كثيرة من بسط النعم وغيرها ، فأبرزه بالنون المشتركة بين الاستتباع والعظمة ، وكان تأخير الأجل لا يكون إلا لله وحده بغير واسطة شيء قال سبحانه : (وَأُمْلِي) أي أوخر أنا وحدي في آجالهم وأوسع لهم في جميع تمتعهم ليزدادوا إثما (لَهُمْ) لأنه لا يقدر على مد الأجل وترفيه العيش غيري.
ولما سلاه صلىاللهعليهوسلم بهذا غاية التسلية ، علل أو استأنف في جواب من لعله يقول : لم يكون أحدهم على هذا الوجه؟ مسميا إنعامه كيدا : (إِنَّ كَيْدِي) أي ستري لأسباب الهلاك عمن أريد إهلاكه وإبدائي ذلك له في ملابس الإحسان وخلع البر والامتنان (مَتِينٌ) أي في غاية القوة حيث كان حاملا للإنسان على إهلاك نفسه باختياره وسيعلم عند الأخذ أني لما أمهلته ما أهملته وأن إمهالي إنما كان استدراجا.
ولما كان هذا القرآن أعظم إحسان ، ساقه سبحانه وتعالى إليهم فكان موجبا للشكر عليهم للذي أنزله ولإكرام الآتي به ، فكان سببا لمباشرتهم من التكذيب به والأذى للآتي به إليهم ما يوجب أخذهم ، قال دالا على متانة كيده سبحانه ودقة استدراجه عاطفا على ما تقديره لبيان أنهم يباشرون ما يهلكهم باختيارهم من غير موجب : أكان تكذيبهم بهذا الذكر لشيء فيه يرتابون؟ قوله منكرا عليهم ، مبينا أن تكذيبهم إنما هو لأنه طبع وخبث
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
