على الحقوق والتكبر على العباد قال : (أَنْ) أي لأجل أن (كانَ) هذا الموصوف (ذا مالٍ) أي مذكور بالكثرة (وَبَنِينَ) أنعمنا عليه بهما فصار يطاع لأجلهما ، فكان بحيث يجب عليه شكرنا بسببهما (إِذا تُتْلى) أي تذكر على سبيل المتابعة (عَلَيْهِ) ولو كان ذلك على سبيل الخصوص له (آياتُنا) أي العلامات الدالة دلالة في غاية الظهور على الملك الأعلى وعلى ما له من صفات العظمة (قالَ) أي فاجأ هذا القول من غير تأمل ولا توقف عوضا عن الشكر ، ف «إن» مع جاره متعلق بما دل عليه الكلام نحو كذب لأجل كونه متمكنا ، ولا يتعلق بقال لأنه جزاء الشرط ، ويجوز أن يتعلق بلا تطع أي لا توجد طاعته لأجل إن كان كذا ، وقرىء بالكسر على أنها شرطية ، فيكون النهي عن طاعته لعلة الغنى مفهما للنهي عن طاعته عند الوصف بغيره من باب الأولى كالتعليل بإملاق في الوأد : (أَساطِيرُ) جمع سطور جمع سطر (الْأَوَّلِينَ) أي أشياء سطروها ودونوها ، وفرغوا منها فحمله دنيء طبعه على تكبره بالمال فورطه في التكذيب بأعظم ما يمكن سماعه فجعل الكفر موضع الشكر ولم يستح من كونه يعرف كذبه كل من يسمعه ، فأعرض عن الشكر ووضع موضعه الكفر ، فكان هذا دليلا على جميع تلك الصفات السابقة مع التعليل بالإسناد إلى ما هو عند العاقل أوهم وأوهى من بيت العنكبوت ، والاستناد إليه وحده كاف في الاتصاف بالرسوخ في الدناءة ، ولا يعمل في «أن قال» بل ما دل عليه لأن ما في حيز الشرط لا يعمل فيما قبله.
ولما كان هذا المذكور قد أغرق في الشر فتوقع السامع جزاءه ، قال معلما أنه يجعل له من الخزي والفضائح ما يصير به شهرة بين الخلائق في الدنيا والآخرة : (سَنَسِمُهُ) أي نجعل ما يلحق به من العار في الدارين كالوسم الذي لا ينمحي أثره ، تقول العرب : وسمه ميسم سوء.
ولما كان الوسم منكئا ، وكان جعله في موضع لا يستر أنكأ ، وكان الوجه أشرف ما في الإنسان ، وكان أظهر ما فيه وأكرمه الأنف ، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة قال : (عَلَى الْخُرْطُومِ) أي الأنف الطويل جميعه وما قاربه من الحنكين وسما مستعليا عليه بوضوح جدا ليكون هتكة بين الناس وفضيحة لقومه وذلا وعارا ، وكذا كان لعمري له بهذا الذكر الشنيع والذنب القبيح من الكفر وما معه ، وسيكون له يوم الجمع الأعظم ما هو أشنع من هذا على أنه قد حقق في الدنيا هذا الخطم حسا بأنه ضرب يوم بدر ضربة خطمت أنفه ـ قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، والتعبير عن الأنف بهذا للاستهانة والاستخفاف.
ولما ذكر في أول الملك أنه خلق الموت والحياة للابتلاء في الأعمال ، وختم هنا
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
