النهي عن العموم بل عموم النهي ، أي انته عن كل حلاف فالنهي أصل والكل وارد عليه ، كما تقدم تخريج مثله في آخر البقرة في قوله تعالى (وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) [البقرة : ٢٧٦] وهذه الأوصاف متفرخة من الكذب وخبث السجية ، فهي كالتفصيل ، فكثرة الحلف دالة على فساد القوة العلمية فنشأ عنها سقوط تعظيم الحق ، فصار صاحبها لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ، فلذلك يحلف صادقا وكاذبا كيفما اتفق (مَهِينٍ) أي حقير ضعيف وضيع سافل الهمة والمروءة سافل الرأي ، لأن الإنسان لا يكثر الحلف إلا وهو يتصور في نفسه أنه لا يصدق إلا بذلك ، لأنه ليس له من المهابة عند من يحدثه والجلالة ما يصدقه بسببه ، وهو مؤثر للبطالة لما فيها من موافقة طبعه ، وذلك هو الحقارة الكبرى.
ولما كان كل من اتصف بصفة ، أحب أن يشاركه الناس فيها أو يقاربوه لا سيما إن كانت تلك الصفة دنية ليسلم من العيب أو الانفراد به ولأن الشيء لما داناه ألف قال : (هَمَّازٍ) أي كثير العيب للناس في غيبتهم ، وقال الحسن : هو الذي يغمز بأخيه في المجلس ، أي لأن الهمز العض والعصر والدفع ـ من المهماز الذي يطعن به في بطون الدواب ، وهو مخصوص بالغيبة كما أن اللمز مخصوص بالمواجهة.
ولما كانت النميمة ـ وهي نقل الحديث على وجه السعاية ـ أشد الهمز أفاد أنه يفعله ولا يقتصر على مجرد النقل بل يسعى به إلى غيره وإن بعد فقال تعالى : (مَشَّاءٍ) أي كثير المشي (بِنَمِيمٍ) أي ينقل ما قاله الإنسان في آخر وأذاعه سرا ، لا يريد صاحبه إظهاره على وجه الإفساد للبين مبالغ في ذلك بغاية جهده.
ولما كان من كان هكذا يريد إعلاء نفسه بهضم الناس ، وكان المنع لإرادة الاستئثار بالممنوع ليكون الغير محتاجا إليه وعاكفا عليه لأن من طبعه أنه لا يرتبط إلا طمعا لا شكرا بضد الجواد ، فإنه يرفع نفسه عن المطامع ، ولا يرتبط إلا شكرا على الصنائع فيجود ظنا منه أن الناس كذلك ، قال : (مَنَّاعٍ) أي كثير المنع شديده (لِلْخَيْرِ) أي كل خير من المال والإيمان وغيرهما من نفسه ومن غيره من الدين والدنيا ـ إلى غير ذلك.
ولما كان من يفعل هذه المخازي من الناس ويقتصر في الهمز والنم على الواقع ، وفي المنع على ما له منعه ـ لئيما ، بين أنه لا يقنع بذلك ، بل زاد عليه ببذل الجهد فيما يصير به ألأم فقال : (مُعْتَدٍ) أي ثابت التجاوز للحدود في كل ذلك (أَثِيمٍ) أي مبالغ في ارتكاب ما يوجب الإثم فيترك الطيبات ويأخذ الخبائث ويرغب في المعاصي ويتطلبها ، ويدع الطاعات ويزهد فيها.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
