(ذلِكَ) أي الأمر الشنيع العظيم من الوبال الدال قطعا على أن الكفر أبطل الباطل وأنه مما يغضب الخالق. ولما لم يكن مقصودها كمقصود غافر من تصنيف الناس صنفين ، وإنما حصل تصنيفهم هنا بالعرض للدلالة على الساعة اكتفى بضمير الشأن فقال : (بِأَنَّهُ) أي بسبب أن الشأن العظيم البالغ في الفظاعة (كانَتْ تَأْتِيهِمْ) على عادة مستمرة (رُسُلُهُمْ) أي رسل الله الذين أرسلهم إليهم وخصهم بهم ليكونوا موضع سرورهم بهم (بِالْبَيِّناتِ) أي الأمور التي توضح غاية الإيضاح أنهم رسل الله من الكتب وغيرها ، فشهدوا الأمر من معدنه ، فلذلك كان عذابهم أشد.
ولما كان سبحانه وتعالى قد أودع الإنسان من جملة ما منحه به خاصة لطيفة وهي العزة وحب الكبر والعلو ، فمن وضعها موضعها بالتكبر على من أمر الله بالتكبر عليه وهم شياطين الإنس والجن ممن عصاه سبحانه نجا ، ومن وضعها في غير موضعها بالتكبر على أولياء الله رب العزة هلك ، بين تعالى أن الكفار وضعوها في غير موضعها : (فَقالُوا) أي الكل لرسلهم منكرين غاية الإنكار تكبرا : (أَبَشَرٌ) أي هذا الجنس وهو مرفوع على الفاعلية لأن الاستفهام يطلب الفعل ، ولما كان تكذيب الجمع أعظم ، وكان لو أفرد الضمير لم يكن له روعة الجمع قال : (يَهْدُونَنا) فأنكروا على الملك الأعظم إرساله لهم (فَكَفَرُوا) بذلك عقب مجيء الرسل وبسببه من غير نظر وتفكر وأدنى تأمل وتبصر حسدا للرسل لكونهم مساوين لهم في البشرية فاستبعدوا أن يخصوا من بينهم بأمر ولا سيما إن كان عظيما جدا ، فلزمهم ارتكاب أقبح الأمور وهو استبعاد أن يكون النبي بشرا مع الإقرار بأن يكون الإله حجرا (وَتَوَلَّوْا) أي كلفوا أنفسهم خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى من الإعراض عن الرسل بعد إنكار رسالتهم لشبهة قامت عندهم ، وذلك أنهم قالوا : إن الله عظيم لا يشبه البشر فينبغي أن يكون رسله من غير البشر ، ولو تأملوا حق التأمل لعلموا أن هذا هكذا ، وأن الرسل إنما هي ملائكة ، لكن لما كان لا يقوى جميع البشر على رؤية الملائكة كما هو مقتضى العظمة التي توهموها ولم يثبتوها على وجهها ، خص سبحانه من البشر ناسا وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بقوى زائدة طوقهم بها على معالجتهم ، فأتوا إليهم ليكونوا واسطة بين الله وبين خلقه لأن بعض الجنس أميل إلى بعض وأقبل.
ولما كان هذا كله إنما هو لمصالح الخلق لا يعود على الله سبحانه وتعالى وعز شأنه نفع من وجوده ولا يلحقه ضرر من عدمه ولا بالعكس ، نبه على ذلك بقوله : (وَاسْتَغْنَى اللهُ) أي فعل الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه فعل من يطلب الغنى عنهم وأوجده إيجادا عظيما ممن هداه لاتباع الرسل فأعرض عنهم حين أعرضوا عن
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
