الشافعي في كتاب الرسالة في باب ما نزل من الكتاب عاما يراد به العام ويدخلها الخصوص وهو بعد البيان الخامس في قول الله عزوجل (حَتَّى إِذا أَتَيا قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) : وفي هذه الآية أدل دلالة على أنه لم يستطعما كل أهل القرية وفيها خصوص ـ انتهى ، وبيان ذلك أن نكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى ، وإذا أعيدت معرفة كانت عينا في الأغلب. ولما أسند الإتيان إلى أهل القرية كان ظاهره تناول الجميع ، فلو قيل : استطعماهم لكان المراد بالضمير عين المأتيين ، فلما عدل عنه ـ مع أنه أخصر ـ إلى الظاهر ولا سيما إن جعلناه نكرة كان غير الأولى وإلا لم يكن للعدول فائدة ، وقد كان الظاهر أن الأول للجميع فكان الثاني للبعض ، وإلا لم يكن غيره ولا كان للعدول فائدة. (فَأَبَوْا) أي فتسبب عن استطعامهما أن أبي المستطعمون من أهل القرية (أَنْ يُضَيِّفُوهُما) أي ينزلوهما ويطعموهما فانصرفا عنهم (فَوَجَدا فِيها) أي القرية ، ولم يقل : فيهم ، إيذانا بأن المراد وصف القرية بسوء الطبع (جِداراً) مشرفا على السقوط ، وكذا قال مستعيرا لما لا يعقل صفة ما يعقل : (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ) أي يسقط سريعا فمسحه الخضر بيده (فَأَقامَهُ).
ولما انقضى وصف القرية وما تسبب عنه أجاب «إذا» بقوله : (قالَ) أي له موسى عليهالسلام : (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ) لكوننا لم يصل إلينا منهم شيء (عَلَيْهِ) أي على إقامة الجدار (أَجْراً) نأكل به ، فلم يعترض عليه في هذه المرة لعدم ما ينكر فيها ، وإنما ساق ما يترتب عليها من ثمرتها مساق العرض والمشورة غير أنه يتضمن السؤال (قالَ) الخضر عليهالسلام : (هذا) أي الوقت أو السؤال. ولما كان ذلك سبب الفراق أو محله ، سماه به مبالغة فقال : (فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) يا موسى بعد أن كان البينان بينا واحدا لاتصالهما فلا بين ، فهو في الحقيقة فوق ما كان متصلا من بينهما ، أو فراق التقاول الذي كان بيننا ، أي الفراق الذي سببه السؤال ، وإذا نزل على الاحتباك ازداد ظهورا ، تقديره : فراق بيني وبينك كما أخبرت ، وفراق بينك من بيني كما شرطت ، وقد أثبتت هذه العبارة الفراق على أبلغ وجه ، وذلك أنه إذا وقع فراق بيني من بينك بحائل يحول بينهما فقد وقع منك بطريق الأولى ، وحقيقته أن البين هو الفراغ المنبسط الفاصل بين الشيئين وهو موزع بينهما ، فبين كل منهما من منتصف ذلك الفراغ إليه ، فإذا دخل في ذلك الفراغ شيء فصل بينهما ، وصار بين كل منهما ينسب إليه ، لأنه صار بين ما ينسب إلى كل منهما من البينين ، وحينئذ يكون بينهما مباينة ، أي أن بين كل منهما غير بين الآخر ، ومن قال : إن معنى «هذا فراق بيننا» زوال الفصل ووجود الوصل ، كذبه أن معنى «هذا اتصال بيننا» المواصلة ، فلو كان هذا معنى ذاك أيضا لاتحد معنى ما يدل
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
