وأخرج الطبراني في معجمه الأوسط في ترجمة محمد بن الحارث الجبيلي ـ بضم الجيم وفتح الموحدة ـ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا خاص برسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وليس لأحد منا أن يستثني إلا بصلة اليمين. (١) ثم عطف على ما أفهمه الكلام وهو : فقل إذا نسيت : إني فاعل ذلك غدا إن شاء الله ـ ونحو ذلك من التعليق بالمشيئة المؤذن بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله ولا مشيئة لأحد معه قوله : (وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي) أي المحسن إليّ (لِأَقْرَبَ) أي إلى أشد قربا (مِنْ هذا) أي الذي عزمت على فعله ونسيت الاستثناء فيه فقضاه الله ولم يؤاخذني ، أو فاتني أو تعسر عليّ لكوني لم أقرن العزم عليه بذكر الله (رَشَداً) أي من جهة الرشد بأن يوفقني للاستثناء فيه عند العزم عليه مع كونه أجود أثرا وأجل عنصرا فأكون كل يوم في ترق بالأفعال الصالحة في معارج القدس ، و «اقرب» أفعل تفضيل من قرب ـ بضم الراء ـ من الشيء ، لازم ، لا من المكسور الراء المتعدي نحو (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى) [الإسراء : ٣٢](وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ) [الإسراء : ٣٤] الآية ، والأقرب من رشد الاستدلال بقصة أهل الكهف التي الحديث عنها على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، ونحو ذلك الاستدلال على وحدانية الصانع وقدرته على البعث وغيره بالأمور الكلية أو الجزئيات القريبة المتكررة ، لا بهذا الأمر الجزئي النادر المتعب ونحو هذا من المعارف الإلهية.
(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦) وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨))
ولما فرغ من هذه التربية في أثناء القصة وختمها بالترجية في الهداية للأرشد ، وكان علم مدة لبثهم أدق وأخفى من علم عددهم ، شرع في إكمالها مبينا لهذا الأخفى ، عاطفا على قوله (قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) [الكهف : ١٩] أو على «فَأْوُوا إليه» الذي أرشد إلى تقديره قولهم : (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) كما مضى ، المختوم بنشر الرحمة وتهيئة
__________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ١١٤٣ والأوسط ٢٩٩ والصغير ٨٧٦ وفيه ابن حصين وهو ضعيف.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
