خالفهم متقاربين في الجهل بإحصائه على سبيل القطع وكان اليهود الذين أمروا قريشا بالسؤال عن أمرهم تشكيكا في الدين لا يعلمون أمرهم على الحقيقة ، نبه على ذلك بقوله ـ جوابا لمن كأنه قال : أيهما أحصاه؟ : (نَحْنُ) أو يقال : ولما أخبر الله سبحانه عن مسألة قريش الثانية ، وهي قصة أهل الكهف ، مجملا لها بعض الإجمال بعد إجمال الجواب عن المسألة الأولى ، وهي الروح ، كان السامع جديرا بأن تستشرف نفسه إلى بيان أكثر من ذلك فيضيق صدره خشية الاقتصار على ما وقع من ذلك من الأخبار ، فقال جوابا لمن كأنه قال : اسأل الإيضاح وبيان الحق من خلاف الحزبين : نحن (نَقُصُ) أي نخبر إخبارا تابعا لآثارهم قدما فقدما (عَلَيْكَ) على وجه التفصيل (نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ) أي خبرهم العظيم وليس أحد غيرنا إلا قصا ملتبسا بباطل : زيادة أو نقص ، فكأنه قيل : ما كان نبأهم؟ فقال تعالى : (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ) أي شبان (آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) المحسن إليهم الناظر في مصالحهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم ، وهداهم بما وهب لهم في أصل الفطرة من العقول الجيدة النافعة.
ولما دل على الإحسان باسم الرب ، وكان في فعله معهم من باهر القدرة ما لا يخفى ، التفت إلى مقام العظمة فقال تعالى عاطفا على ما تقديره : فاهتدوا بإيمانهم : (وَزِدْناهُمْ) بعد أن آمنوا (هُدىً) بما قذفنا في قلوبهم من المعارف ، وشرحنا لهم صدورهم من المواهب التي حملتهم على ارتكاب المعاطب ، والزهد في الدنيا والانقطاع إليه (وَرَبَطْنا) بما لنا من العظمة (عَلى قُلُوبِهِمْ) أي قويناها ، فصار ما فيها من القوى مجتمعا غير مبدد ، فكانت حالهم في الجلوة كحالهم في الخلوة (إِذْ قامُوا) لله تعالى حق القيام في ذلك الجيل الكافرين بين يدي طاغيتهم دقيانوس (فَقالُوا) مخالفين لهم : (رَبُّنا) الذي يستحق أن نفرده بالعبادة لتفرده بتدبيرنا ، هو (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي موجدهما ومدبرهما (لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً) بعد أن ثبت عجز كل من سواه ، والله (لَقَدْ قُلْنا إِذاً) أي إذا دعونا من دونه غيره (شَطَطاً) أي قولا ذا بعد مفرط عن الحق جدا ؛ ثم شرعوا يستدلون على كونه شططا بأنه لا دليل عليه ، ويجوز أن يكونوا لما قالوا ذلك عرض لهم الشيطان بشبهة التقليد فقالوا مجيبين عنها : (هؤُلاءِ) وأن يكونوا قالوا ذلك للملك إنقاذا له من شرك الجهل ، وبين المشار إليهم بقولهم : (قَوْمُنَا) أي وإن كانوا أسن منا وأقوى وأجل في الدنيا (اتَّخَذُوا) أي مخالفين مع منهاج العقل داعي الفطرة الأولى (مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) أشركوهم معه لشبهة واهية استغواهم بها الشيطان ؛ ثم استأنفوا على طريق التخصيص ما ينبه على أنهم من حين عبادتهم إلى الآن لم يأتوا على ذلك بدليل ، فقالوا منبهين على فساد التقليد في أصول الدين وأنه لا مقنع فيه بدون القطع : (لَوْ لا) أي هلا (يَأْتُونَ) الآن.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
