ولما كانوا بعبادتهم لهم قد أحلوهم محل العلماء ، قال تعالى : (عَلَيْهِمْ) أي على عبادتهم إياهم ، وحققوا ما أرادوا من الاستعلاء بقولهم : (بِسُلْطانٍ) أي دليل قاهر (بَيِّنٍ) مثل ما نأتي نحن على تفرد معبودنا بالأدلة الظاهرة ، والبراهين الباهرة ، فإن مثل هذا الأمر لا يقنع فيه بدون ذلك ، وقد جمعنا الأدلة كلها في الاستدلال على تفرد الله باستحقاقه للعبادة بأنه تفرد بخلق الوجود ، فتسبب عن عجزهم عن دليل أنهم أظلم الظالمين لافتعالهم الكذب عن ملك الملوك ومالك الملك ، فلذلك قالوا : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى) أي تعمد (عَلَى اللهِ) أي الملك الأعظم (كَذِباً) فالآية دالة على فساد التقليد في الوحدانية.
(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧))
ولما استدلوا على معتقدهم ، وعلموا سفه من خالفهم ، وهم قوم لا يدان لهم بمقاومتهم ، لكثرتهم وقلتهم ، تسبب عن ذلك هجرتهم ليسلم لهم دينهم ، فقال تعالى شارحا لما بقي من أمرهم ، عاطفا على ما تقديره : وقالوا أو من شاء الله منهم حين خلصوا من قومهم نجيا : لا ترجعوا إلى قومكم أبدا ما داموا على ما هم عليه ، هذا إن كان المراد قيامهم بين يدي دقيانوس ، وإن كان المراد من القيام الانبعاث بالعزم الصادق لم يحتج إلى هذا التقدير : (وَإِذِ) أي حين (اعْتَزَلْتُمُوهُمْ) أي قومكم (وَما) أي واعتزلتم ما (يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ) أي الذي له صفات الكمال ، وهذا دليل على أنهم كانوا يشركون ، ويجوز أن يكونوا سموا الانقياد كرها لمشيئته والخضوع بزعمهم لأقضيته عبادة (فَأْوُوا) أي بسبب هذا الاعتزال ، وهذا دليل العامل في (إِذِ إِلَى الْكَهْفِ) أي الغار الذي في الجبل (يَنْشُرْ) أي يحيي ويبعث (لَكُمْ رَبُّكُمْ) الذي لم يزل يحسن إليكم (مِنْ رَحْمَتِهِ) ما يكفيكم به المهم من أمركم (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ) الذي من شأنه أن يهمكم (مِرْفَقاً) ترتفقون به ، وهو بكسر الميم وفتح الفاء في قراءة الجماعة ، وبفتحها وكسر الفاء للنافع وابن عامر ، وهذا الجزم من آثار الربط على قلوبهم بما علموا من قدرته على كل شيء ، وحمايته من لاذ به ولجأ إليه وعبده وتوكل عليه ، ففعلوا ذلك ففعل الله ما رجوه فيه ، فجعل لهم أحسن مرفق بأن أنامهم ثم أقامهم بعد مضي قرون ومرور دهور ، وهدى بهم ذلك الجيل الذي أقامهم فيه (وَتَرَى) لو رأيت كهفهم (الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ).
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
