إبطاله قادر وإن جل (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ) من القوة والضخامة (لِتَزُولَ) أي لأجل أن تزول (مِنْهُ الْجِبالُ) والتقدير على قراءة فتح اللام الأولى ورفع الثانية : وإن كان بحيث إنه تزول منه الجبال ، والمعنيان متقاربان ، وقيل : «إن» نافية ، واللام لتأكيد النفي ؛ والجبال : الآيات والشرائع ، بل هي أثبت.
(فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢))
ولما تقرر ذلك من علمه سبحانه وقدرته ، تسبب عنه أن يقال وهو كما تقدم في أن المراد الأمة لبلوغ الأمر منهم كل مبلغ ، خوطب به الرأس ليكون أوقع في قلوبهم : (فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ) أي الذي له الكمال كله ، فإن من ظن ذلك كان ناقص العقل (مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) في أنه يعز أوليائه ويذل أعداءه ويهلكهم بظلمهم ، ويسكن أولياءه الأرض من بعدهم ؛ ثم علل ذلك بقوله ـ مؤكدا لأن كثرة المخالفين وقوتهم على تمادي الأيام تعرّض السامع للإنكار : (إِنَّ اللهَ) أي ذا الجلال والإكرام (عَزِيزٌ) أي يقدر ولا يقدر عليه (ذُو انتِقامٍ) ممن يخالف أمره.
ولما تقررت عظمة ذلك اليوم الذي تشخص فيه الأبصار ، وكان أعظم يوم يظهر فيه الانتقام ، بينه بقوله : (يَوْمَ تُبَدَّلُ) أي تبديلا غريبا عظيما (الْأَرْضُ) أي هذا الجنس (غَيْرَ الْأَرْضِ) أي التي تعرفونها (وَالسَّماواتُ) بعد انتشار كواكبها وانفطارها وغير ذلك من شؤونها ؛ والتبديل : تغيير الشيء أو صفته إلى بدل (وَبَرَزُوا) أي الظالمون الذين كانوا يقولون : إنهم لا يعرضون على الله للحساب ؛ والبروز : ظهور الشخص مما كان ملتبسا به (لِلَّهِ) أي الذي له صفات الكمال (الْواحِدِ) الذي لا شريك له (الْقَهَّارِ) الذي لا يدافعه شيء عن مراده ، فصاروا بذلك البروز بحيث لا يشكون أنه لا يخفى منهم خافية ، وأما المؤمنون فلم يزالوا يعلمون ذلك : روى مسلم والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : سألت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم عن قوله تعالى : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ) الآية قلت : يا رسول الله فأين يكون الناس يومئذ؟ قال : على الصراط.
ولما ذكر بروزهم له ذكر حالهم في ذلك البروز فقال : (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ) أي
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
