آله وسلم قال : «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله» ، فذلك قوله تعالى (يُثَبِّتُ اللهُ»)(١) الآية.
ولما أخبر سبحانه أنه هو الفاعل وحده ، أتبعه الدليل عليه وعلى إضلال الذين بدلوا الكلمة الطيبة من التوحيد بالإشراك وزلزلتهم واجتثات كلمتهم فقال : (أَلَمْ تَرَ) وأشار إلى بعدهم عن مقامه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله : (إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا) والتبديل : جعل الشيء مكان غيره (نِعْمَتَ اللهِ) أي المستجمع لصفات الكمال التي أسبغها عليهم من كلمة التوحيد ، وما أورثهم من دين أبيهم إسماعيل عليهالسلام ومن جميع النعم الدنيوية من أمن البلد وتيسير الرزق وغير ذلك ، بأن جعلوا مكان شكرها (كُفْراً) وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان ، وأعلاهم همما في الوفاء ، وأبعدهم عن الخناء (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ) بذلك (دارَ الْبَوارِ) أي الهلاك ، مع ادعائهم أنهم أذب الناس عن الجار فضلا عن الأهل ، روى البخاري في التفسير أنهم كفار أهل مكة (٢). والبوار : الهلاك الزائد ، والإحلال : جعل الشيء في محل ، فإن كان جوهرا فهو إحلال مجاورة. وإن كان عرضا فهو إحلال مداخلة.
ولما أفاد أنها مهلكة ، بينها بما يفهم أنها تلقاهم بالعبوسة كما كانوا يلقون أولياء الله من الرسل وغيرهم بذلك فقال : (جَهَنَّمَ) حال كونهم (يَصْلَوْنَها) أي يباشرون حرها مع انغماسهم فيها بانعطافها عليهم ؛ ولما كان التقدير : فبئس الإحلال أحلوه أنفسهم وقومهم ، عطف عليه قوله : (وَبِئْسَ الْقَرارُ) ذلك المحل الذي أحلوهم به.
(وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١))
ولما كان هذا فعل من لا عقل له ، بينه بقوله : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ) الذي يعلمون أنه لا شريك له في خلقهم ولا رزقهم لأن له الكمال كله (أَنْداداً) وقال : (لِيُضِلُّوا) أي بأنفسهم على قراءة ابن كثير وأبي عمرو ، ويعموا غيرهم على قراءة الباقين (عَنْ سَبِيلِهِ) لأنهم إن كانوا عقلاء فإنهم يعلمون أن هذا لازم لفعلهم فهم قاصدون له ، وإلا فلا عقول لهم ، لأنه لا يقدم على ما لا يعلم عاقبته إلا أبله ، وهم يقولون : إنهم أبصر الناس
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٤٦٩٩ ومسلم ٢٨٧١ وأبو داود ٤٧٥٠ والترمذي ٣١٢٠ والنسائي في الكبرى ١١٢٦٤ وابن ماجه ٤٢٦٩ كلهم من حديث البراء بن عازب بألفاظ متقاربة.
(٢) موقوف. أخرجه البخاري ٤٧٠٠ في تفسير سورة إبراهيم عن ابن عباس قال : هم كفار أهل مكة.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
