(قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨))
فلما رأوا أنه قد فاتهم ما ظنوا أنه يكون بعد ذهاب يوسف من صلاح الحال مع أبيهم بقصر الإقبال عليهم ، ووقع لأبيهم هذا الفادح العظيم ، تشوف السامع إلى قولهم له ، فاستأنف الإخبار عنه بقوله : (قالُوا) أي حنقا من ذلك (تَاللهِ) أي الملك الأعظم ، يمينا فيها تعجيب (تَفْتَؤُا) أي ما تزال (تَذْكُرُ يُوسُفَ) حريصا على ذكره قويا عليه حرص الفتى الشاب الجلد الصبور على مراده (حَتَّى) أي إلى أن (تَكُونَ حَرَضاً) أي حاضر الهلاك مشرفا عليه متهيئا له بدنف الجسم وخبل العقل ـ كما مضى بيانه في الأنفال عند (حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ أَوْ تَكُونَ) أي كونا لازما هو كالجبلة (مِنَ الْهالِكِينَ).
ولما تشوفت النفس إلى ما كان عنه بعد ما رأى من غلظة بنيه ، شفى عيّها بقوله : (قالَ إِنَّما) أي نعم لا أزال كذلك لأنه من صفات الكمال للإنسان ، لدلالته على الرقة والوفاء ، وإنما يكون مذموما إذا كان على وجه الشكاية إلى الخلق وأنا لا أشكو إلى مخلوق ، إنما (أَشْكُوا بَثِّي) والبث أشد الحزن ، سمي بذلك لأنه من صعوبته لا يطاق حمله فيباح به وينشر (وَحُزْنِي) مطلقا وإن كان سببه خفيفا يقدر الخلق على إزالته (إِلَى اللهِ) أي المحيط بكل شيء علما وقدرة تعرضا لنفحات كرمه ، لا إلى أحد غيره ، وهذا ـ الذي سمعتوه مني فقلقتم له ـ قليل من كثير.
ولما كان يجوز أن يكونوا صادقين في أنهم لم يجدوا إلا قميص يوسف ملطخا دما ، وأن يكون قطعهم بأكل الذئب له مستندا إلى ذلك ، وكان يعقوب عليهالسلام يغلب على ظنه أن يوسف عليهالسلام حي ويظن في الله أن يجمع شمله به ، قال : (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ) أي الملك الأعلى من اللطف بنا أهل هذا البيت ومن التفريج عن المكروبين والتفريح للمغمومين (ما لا تَعْلَمُونَ).
ومادة «فتا» يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة بكل ترتيب وهي فتأ ، وفأت وتفأ وأفت ، وفتى وفوت وتوف وتفو تدور على الشباب ، وتلزمه القوة وشدة العزيمة وسلامة
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
