طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩))
ولما ذكر ما للناجين ، ذكر مآل الهالكين فقال : (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ) أي الملك الأعلى فيعملون بخلاف موجبه ؛ والنقض : التفريق الذي ينفي تأليف البناء. ولما كان النقض ضارا ولو كان في أيسر جزء ، أدخل الجار فقال : (مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) أي الذي أوثقه عليهم بما أعطاهم من العقول وأودعها من القوة على ترتيب المقدمات المنتجة للمقاصد الصالحة الدالة على صحة جميع ما أخبرت به رسله عليهم الصلاة والسّلام والتحية والإكرام ؛ والميثاق : إحكام العقد بأبلغ ما يكون في مثله (وَيَقْطَعُونَ ما) أي الشيء الذي (أَمَرَ اللهُ) أي غير ناظرين إلى ما له من العظمة والجلال ، وعدل عن أن يوصله لما تقدم قريبا فقال : (بِهِ أَنْ يُوصَلَ) أي لما له من المحاسن الجلية والخفية التي هي عين الصلاح (وَيُفْسِدُونَ) أي يوقعون الإفساد (فِي الْأَرْضِ) أي في أيّ جزء كان منها بوصل ما أمر الله به أن يقطع اتباعا لأهوائهم ، معرضين عن أدلة عقولهم ، مستهينين بانتقام الكبير المتعال. ولما كانوا كذلك ، استحقوا ضد ما تقدم للمتقين ، وذلك هو الطرد والعقاب والغضب والنكال وشؤم اللقاء ، فقال سبحانه وتعالى : (أُولئِكَ) أي البعداء البغضاء (لَهُمُ اللَّعْنَةُ) أي الطرد والبعد (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) أي أن يكون دارهم الآخرة سيئة بلحاق ما يسوء فيها دون ما يسر.
ولما تقدم الحث العظيم على الإنفاق ، وأشير إلى أنه من أوثق الأسباب في الوصلة لجميع أوامر الله ، وختم بأن للكافر البعد والطرد عن كل خير والسوء ، كان موضع أن يقول الكفار : ما لنا يوسع علينا مع بعدنا ويضيق على المؤمن مع وصله واتصاله ، وما له لا يبسط له رزقه ليتمكن من إنفاذ ما أمر به إن كان ذلك حقا؟ فقيل :
(اللهُ) أي الذي له الكمال كله (يَبْسُطُ الرِّزْقَ) ودل على تمام قدرته سبحانه وتعالى بقوله ـ جلت قدرته ـ : (لِمَنْ يَشاءُ) فيطيع في رزقه أو يعصي (وَيَقْدِرُ) على من يشاء فيجعل رزقه بقدر ضرورته فيصبر أو يجزع لحكم دقت عن الأفكار ، ثم يجعل ما للكافر سببا في خذلانه ، وفقر المؤمن موجبا لعلو شأنه ، فليس الغنى مما يمدح به ، ولا الفقر مما يذم به ، وإنما يمدح ويذم بالآثار.
ولما كانت السعة مظنة الفرح إلا عند من أخلصه الله وهم أقل من القليل ، قال عائبا لمن اطمأن إليها : (وَفَرِحُوا) أي فبسط لهؤلاء الرزق فبطروا وكفروا وفرحوا (بِالْحَياةِ الدُّنْيا) أي بكمالها ؛ والفرح : لذة في القلب بنيل المشتهى. ولما كانت الدنيا متلاشية في جنب الدار التي ختم بها للمتقين ، قال زيادة في الترغيب والترهيب : (وَمَا
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
