العدو يكون مستقبلا لعدوه ، فهو كناية عن الاستئصال بأن آخرهم وأولهم في الأخذ سواء ، لأن الآخذ قادر ، لا كما يفعل بعض الناس مع بعض من أنهم يملون في آخر الوقائع فيفوتهم البعض.
(وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢))
فلما تم ما دار بينه وبين الرسل مقدما لما بيّن ، أتبعه البيان عن حال قومه إشارة إلى أن الملائكة إن كانوا بصفات البشر لم يعرفهم الكفرة ، وإن كانوا بصفاتهم أو بإظهار شيء من خوارقهم لم تحتمله قواهم ، فلا نفع لهم في مكاشفتهم في حالة من الحالات ، فسؤالهم الإتيان بهم جهل عظيم ، فقال تعالى : (وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ) أي التي كان هذا الأمر فيها ـ قالوا : وهي سدوم ـ لإرادة عمل الفاحشة بالأضياف (يَسْتَبْشِرُونَ) أي يلوح على بشراتهم السرور ، فهم يوجدونه لأنفسهم إيجاد من هو شديد الرغبة في طلبه ، فكان حال لوط عليهالسلام أن (قالَ) لهم : (إِنَّ هؤُلاءِ) أي الأقرباء مني (ضَيْفِي).
ولما كان إكرام الضيف إكراما لمن هو عنده وإهانته إهانته ، سبب عن ذلك ما أشار إليه الكلام فقال : (فَلا تَفْضَحُونِ) في إصابتهم بفاحشة ، وكان ذلك قبل معرفته أنهم ملائكة (وَاتَّقُوا اللهَ) أي الذي له جميع العظمة (وَلا تُخْزُونِ) أي بإهانة ضيفي ، فيكون ذلك عارا عليّ مدى الدهر ، فلم يكفهم ذلك بل (قالُوا) بفظاظة ، عاطفين على ما تقديره : ألم تعلم أنا لا نترك هذا الأمر لشيء من الأسباب : (أَوَلَمْ نَنْهَكَ) أي من قبل هذا (عَنِ الْعالَمِينَ) أن تجير علينا أحدا منهم ، فلما وصلوا إلى هذا الحد من الوقاحة ، ذكر لهم الحريم ليحملهم ذلك على الحياء ، لأنه دأب من له أدنى مروءة ولا سيما ذكر الأبكار في سياق يكاد يصرح بمراده ، بأن (قالَ هؤُلاءِ) مشيرا إلى بيته الذي فيه بناته صلىاللهعليهوسلم ورضي عنهن (بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ) ولا بد (فاعِلِينَ) أي قد عزمتم عزما ماضيا على هذا الفعل ، إشارة بأداة الشك إلى أن هذا الفعل مما لا ينبغي أن يفعل ، يعني وأنتم عالمون بأني لا أسلم بناتي أبدا ، فعلم من ذلك أن وصولكم إلى أضيافي دون هلاكي محال.
ولما ذكر ما ذكر من أمورهم وعظيم فجورهم ، وهم قد فرغ من أمرهم وقضي باستئصالهم ، كان كل من يعلم ذلك قاضيا بأنهم لا عقول لهم ، فأتبع سبحانه ذلك ما
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
