ذنب عبيد إله أبيك ، فبكى يوسف لما قالوا ذلك ، فدنا إخوته فخروا بين يديه سجدا وقالوا له : هوذا نحن لك عبيد ، فقال لهم : لا تخافوني لأني أخاف الله ، أما أنتم فهممتم بي شرا فصيره الله لي خيرا كما فعل بي يومنا هذا ، فأحيي على يدي خلقا عظيما ، والآن فلا خوف عليكم ، أنا أقوتكم وحشمكم ، فعزاهم وملأ قلوبهم خيرا.
ثم أقام يوسف بمصر هو وآل بيته ، فعاش يوسف مائة وعشر سنين ورأى يوسف ولد ولده ، فقال يوسف لإخوته : هأنذا متوف ، والله سيذكركم ويخرجكم من هذه الأرض إلى الأرض التي أقسم بها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فأقسم يوسف على بني إسرائيل وقال : إن الله سيذكركم ، فأصعدوا عظامي معكم ، فتوفي يوسف وهو ابن مائة وعشر سنين ، فحنطوه ووضعوه في صندوق بأرض مصر ـ وسيأتي ما بعد ذلك من استعبادهم وما يتبعه في سورة القصص إن شاء الله تعالى.
وهذا الذي ذكر من القصة في التوراة مصدق لما في القرآن وشاهد بإعجازه ، غير أنه لم يذكر شرح قوله تعالى : (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا) [يوسف : ٨٠] في أنه بعد أخذ الصواع من رحل أخيه تركهم من غير تعريف لهم بنفسه فمضوا إلي أبيهم فأخبروه بذلك ، ثم عادوا مرة أخرى للميرة والطلب ليوسف وأخيه فعرفهم يوسف عليهالسلام بنفسه وجلالهم الأمر في هذه القدمة الثالثة ، فكأنهم أسقطوا ما في التوراة من ذلك تدليسا وتلبيسا ، وهو لا يضر غيرهم ، فإن ما صار في كتابهم لا يتمشى على قوانين العقل لمن تدبر ، فلم يفدهم ذلك غير التحقق لخيانتهم وجهلهم ـ والله الهادي إلى الصواب.
(ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦))
ولما تم الذي كان من أمرهم على هذا الوجه الأحكم والصراط الأقوم من ابتدائه إلى انتهائه ، قال مشيرا إلى أنه دليل كاف في تصحيح دعوى النبوة مخاطبا لمن لا يفهم هذا حق فهمه غيره ، مسليا له مثبتا لفؤاده وشارحا لصدره ، منبها على أنه مما ينبغي السؤال عنه : (ذلِكَ) أي النبأ العالي الرتبة الذي قصصناه قصا يعجز البلغاء من حملته ورواته فكيف بغيرهم (مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) أي أخباره التي لها شأن عظيم (نُوحِيهِ إِلَيْكَ) وعبر بصيغة المضارع تصويرا لحال الإيحاء الشريف وإشارة إلى أنه لا يزال معه يكشف
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
