فلما أتى يوسف إخوته خلعوا عنه القميص ذا الكمين الذي كان لابسه ، وأخذوه فطرحوه في الجب فارغا لا ماء فيه ، فجلسوا يأكلون خبزا فمدوا أبصارهم فرأوا فإذا رفقة من العرب مقبلة من جلعاد ـ وفي نسخة : من الجرش ـ وكانت إبلهم موقرة سمنا ولبنا وبطما ، وكانوا معتمدين إلى مصر فقال يهوذا لإخوته : ما متعتنا بقتل أخينا وسفك دمه؟ تعالوا نبيعه من العرب ، ولا نبسط أيدينا إليه لأنه أخونا : لحمنا ودمنا ، فأطاعه إخوته ، فمر بهم قوم تجار مدينيون ، فأصعدوا يوسف من الجب وباعوه من الأعراب بعشرين درهما ، فأتوا به إلى مصر.
فرجع روبيل إلى الجب فإذا ليس فيه يوسف ، فشق ثيابه ورجع إلى إخوته وقال لهم : أين الغلام؟ إلى أين أذهب أنا الآن؟ فأخذوا قميص يوسف عليهالسلام فذبحوا عتودا من المعز ولوّثوا القميص بدمه وأرسلوا به مع من أتى به أباهم وقالوا : وجدنا هذا ، أثبته هل هو قميص ابنك أم لا؟ فعرفه وقال : القميص قميص ابني ، سبع خبيث افترس ابني يوسف افتراسا ، فحزن على ابنه أياما كثيرة ، فقام جميع بنيه وبناته ليعزوه فأبى أن يقبل العزاء وقال : أنزل إلى القبر وأنا حزين على يوسف ، فبكى عليه أبوه. وباع المدينيون يوسف من قوطيفر الأمير صاحب شرطة فرعون ـ انتهى ، وفيه ما يخالف ظاهره القرآن ويمكن تأويله ـ والله أعلم.
(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤))
ولما أخبر تعالى عما يريد بيوسف عليه الصلاة والسّلام بما ختمه بالإخبار عن قدرته ، أتبعه الإعلام بإيجاد ذلك الفعل دلالة على تمام القدرة وشمول العلم فقال : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) أي مجتمع قواه (آتَيْناهُ) أي بعظمتنا (حُكْماً) أي نبوة أو ملكة يكف بها النفس عن هواها ، من حكمة الفرس ، فلا يقول ولا يفعل إلا أمرا فصلا تدعو إليه الحكمة ؛ قال الرماني : والأصل في الحكم تبيين ما يشهد به الدليل ، لأن الدليل حكمة من أجل أنه يقود إلى المعرفة (وَعِلْماً) أي تبيينا للشيء على ما هو عليه جزاء له لأنه محسن (وَكَذلِكَ) أي ومثل ذلك الجزاء الذي جزيناه به (نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) أي العريقين في الإحسان كلهم الذين رأسهم محمد صلىاللهعليهوسلم الذي أسرى به فأعلاه ما لم يعل غيره ؛ وعن الحسن : من أحسن عبادة الله في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله ،
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
