(وَلَنَصْبِرَنَ) أكدوا لإنكار الكفار أن يصبر الرسول ـ مع وحدته ـ على أذاهم مع كثرتهم وقوتهم (عَلى ما) وعبر بالماضي إشارة إلى أنهم عفوا عن أذاهم في الماضي فلا يجازونهم به ، فهو استجلاب إلى توبة أولئك المؤذين ، وعدلوا عن المضارع لأنهم ينتظرون أمر الله في الاستقبال فقد يأمرهم بالجهاد وقد يأمرهم بالصبر ، فقال : (آذَيْتُمُونا) أي في ذلك الذي أمرنا به كائنا فيه ما كان لأنا توكلنا على الله ونحن لا نتهمه في قضائه (وَعَلَى اللهِ) أي الذي له جميع صفات الكمال وحده (فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) الذين علموا من أنفسهم العجز سواء كانوا مؤمنين أو لا ، فوكلوا أمرا من أمورهم إلى غيرهم ليكفيهم إياه ، فإنه محيط العلم كامل القدرة ، وكل من عداه عاجز ، والصبر مفتاح الفرج ، ومطلع الخيرات المطلق من الكرب ، والحق لا بد وأن يصير غالبا قاهرا ، والباطل لا بد وأن يصير مغلوبا مقهورا وإن طال الابتلاء.
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨))
ولما انقضت هذه المحاورة وقد علم منها كل منصف ما عليه الرسل من الحلم والعلم والحكمة ، وما عليه مخالفهم من الضلال والجهل والعناد ، وكان في الكلام ما ربما أشعر بانقضائه ، ابتدأ تعالى عنهم محاورة أخرى ، عاطفا لها على ما مضى ، فقال : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ) مستهينين بمن قصروا التجاءهم عليه ، مؤكدين لاستشعارهم بإنكار من رأي مدافعة الله عن أوليائه لقولهم : والذى يحلف به! ليكونن أحد الأمرين : (لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا) أي التي لنا الآن الغلبة عليها (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) بأن تكفوا عن معارضتنا كما كنتم قبل دعوى الرسالة ، فإطلاق ملتهم على السكوت عنهم من إطلاق اسم الكل على الجزء على زعمهم مثل (جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) [نوح : ٧] وهو مجاز مرسل ، فصبروا على ذلك كما أخبروا به توكلا على ربهم واستمروا على نصيحتهم لهم بدعائهم إلى الله (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ) أي كلمهم في خفاء بسبب توعد أممهم لهم ، مختصا لهم بذلك (رَبُّهُمْ) المحسن إليهم الذي توكلوا عليه ،
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
