يوسف» (١) وأما الخوف فما كان من جهاد النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم لهم (وَهُمْ ظالِمُونَ) أي عريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها ، لأنهم استمروا على كفرهم مع الجوع ، وسألوا النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم في الإغاثة فدعا لهم.
(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥))
ولما تقرر بما مضى من أدلة التوحيد ، فثبت ثباتا لا يتطرق إليه شك أن الله هو الإله وحده كما أنه هو الرازق وحده ، ونبههم على دقائق في تقديره للأرزاق تدل على عظمته وشمول علمه وقدرته واختياره ، فثبت أنهم ظالمون فيما جعلوا للأصنام من رزقه ، وأنه ليس لأحد أن يتحرك إلا بأمره سبحانه ، وختم ذلك بهذا المثل المحذر من كفران النعم ، عقبه بقوله تعالى صادا لهم عن أفعال الجاهلية : (فَكُلُوا) أي فتسبب عن جميع ما مضى أن يقال لهم : كلوا (مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) أي الذي له الجلال والجمال مما عده لكم في هذه السورة وغيرها ، حال كونه (حَلالاً طَيِّباً) أي لا شبهة فيه ولا مانع بوجه (وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ) أي الذي له صفات الكمال حذرا من أن يحل بكم ما أحل بالقرية الممثل بها (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ) أي وحده (تَعْبُدُونَ) كما اقتضته هذه الأدلة ، لأن وحده هو الذي يرزقكم وإلا عاجلكم بالعقوبة لأنه ليس بعد العناد عن البيان إلا الانتقام ، فصار الكلام في الرزق والتقريع على عدم الشكر مكتنفا الأمثال قبل وبعد.
ولما كان الإذن إنما هو في بعض الرزق في الحال المذكور فاحتيج إلى معرفته ، وكانت المباحات أكثر من المحظورات ، حصر القليل ليعلم منه الكثير ، لأن كل ضدين معروفين إجمالا عين أحدهما ، عرف من تعيينه الآخر ، فقال تعالى : (إِنَّما حَرَّمَ) أي الله الذي لا أمر لأحد معه (عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) التي بينت على لسان الرسول صلّى الله عليه وعلى آله وسلم أنها ميتة وإن ذكيت (وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) خصه بالذكر بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله كالدين (وَما أُهِلَ) أي بأيّ إهلال كان من أي مهل كان. ولما كان مقصود السورة لبيان الكمال ، كان تقديم غيره لتقبيح حال المعتنى به أولى فقال تعالى : (لِغَيْرِ اللهِ) أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه (بِهِ).
__________________
(١) أخرجه البخاري ١٠٢٠ و ٤٧٧٤ و ٤٦٩٣ و ٤٨٢٤ ومسلم ٢٧٩٨ وأحمد ١ / ٤٤١ و ٣٨٠ ـ ٣٨١ و ٤٣١ والترمذي ٣٢٥٤ والبغوي ٤ / ١٥٠ والطبري ٢٥ / ١١٢ والحميدي ١١٦ كلهم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
