يكن عنده ما يعطي وسئل قال : يرزقنا الله وإياكم من فضله (١) ـ انتهى. وقد وضع هنا الابتغاء موضع الفقر لأنه سببه ، فوضع المسبب موضع السبب.
ولما أمر بالجود الذي هو لازم الكرم ، نهى عن البخل الذي هو لازم اللوم ، في سياق ينفر منه ومن الإسراف ، فقال ممثلا لهما بادئا بمثال الشح : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ) بالبخل (مَغْلُولَةً) أي كأنها بالمنع مشدودة بالغل (إِلى عُنُقِكَ) لا تستطيع مدها (وَلا تَبْسُطْها) بالبذل (كُلَّ الْبَسْطِ) فتبذر (فَتَقْعُدَ) أي توجد كالمقعد ، بالقبض (مَلُوماً) أي بليغ الرسوخ فيما تلام بسببه عند الله ، لأن ذلك مما نهى عنه ، وعند الناس ، وبالبسط (مَحْسُوراً) منقطعا بك لذهاب ما تقوى به وانحساره عنك ، وكل من الحالتين مجاوز لحد الاعتدال.
(إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣))
ولما كان سبب البخل خوف الفقر ، وسبب البسط محبة إغناء المعطي ، قال مسليا لرسوله صلىاللهعليهوسلم عما كان يرهقه من الإضافة عن التوسعة على من يسأله بأن ذلك إنما هو لتربية العباد بما يصلحهم ، لا لهوان بالمضيق عليه ، ولا لإكرام للموسع عليه : (إِنَّ رَبَّكَ) أي المحسن إليك (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ) البسط له دون غيره (وَيَقْدِرُ) أي يضيق كذلك سواء قبض يده أو بسطها (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) [الشورى : ٢٧] ولكنه تعالى لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ، ولا بالمقبوض عنه أقصى مكروهه ، فاستنوا في إنفاقكم على عباده بسنته في الاقتصاد (إِنَّهُ كانَ) أي كونا هو في غاية المكنة (بِعِبادِهِ خَبِيراً) أي بالغ الخبر (بَصِيراً) أي بالغ البصر بما يكون من كل القبض والبسط لهم مصلحة أو مفسدة.
ولما أتم سبحانه ما أراد من الوصية بالأصول وما تبع ذلك ، وختمه بما قرر من أن قبض الرزق وبسطه منه من غير أن ينفع في ذلك حيلة ، أوصاهم بالفروع ، لكونهم في غاية الضعف وكانوا يقتلون بناتهم خوف الفقر ، وكان اسم البنت قد صار عندهم لطول ما استهجنوه موجبا للقسوة ، فقال في النهي عن ذلك مواجها لهم ، إعلاما ببعده صلى
__________________
(١) لم أجده. ولا ذكره السيوطي في الدر المنثور عند هذه الآية ولا الطبري فالله أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
