ولما كان القرآن أعظم الآيات بما أنبأ فيه عن الأخبار الماضية والكوائن الآتية على ما هي عليه مضمنة من الحكم والأحكام ، في أساليب البلاغة التي لا ترام ، وغير ذلك ما لا يحصر بنظام ، كما أشار إليه أول السورة ، كان ربما قيل : إن هذا ربما لا يعلمه إلا الراسخون في العلوم الإلهية ، عطف عليه الإشارة إلى أن له تعالى غيره من الآيات التي لا تحتاج لوضوحها إلى أكثر من العقل ما لا يحيط به الحصر ، ومع ذلك فلم ينتفعوا به ، فقال : (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ) أي علامة كبيرة عظيمة دالة على وحدانيته (فِي السَّماواتِ) أي كالنيرين وسائر الكواكب والسحاب وغير ذلك (وَالْأَرْضِ) من الجبال والشجر والدواب وغير ذلك مما لا يحصيه العد ـ كما سيأتي بيانه في سورة الرعد مفصلا (يَمُرُّونَ عَلَيْها) مشاهدة بالحس ظاهرة غير خفية (وَهُمْ عَنْها) أي خاصة لا عن ملاذهم وشهواتهم بها (مُعْرِضُونَ) أي عن دلالتها على السعادة من الوحدانية وما يتبعها.
ولما كان ربما قيل : كيف يوصفون بالإعراض وهم يعتقدون أن الله فاعل تلك الآيات ، بين أن إشراكهم مسقط لذلك ، فقال : (ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ) أي الناس (بِاللهِ) أي الذي لا شيء إلا وهو داع إلى الإيمان به ، لأنه المختص بصفات الكمال (إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) به من لا يقدر على شيء فضلا عن أن يأتي بآية ، كانوا يقرون بأن الله خالقهم ورازقهم ويعبدون غيره ، وكذا المنافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفران ، وكذا أهل الكتابين يؤمنون بكتابهم ويقلدون علماءهم في الكفر بغيره ، فعلم أن إذعانهم بهذا الإيمان غير تابع لدليل ، وهو محض تقليد لمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ، لما سبق فيه من علم الله أنه لا صلاحية له فأفسده بما شابهه به من الشرك ، والآية صالحة لإرادة الشرك الخفي الذي أشار إليه النبي صلىاللهعليهوسلم بقوله : «الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل» وهو شرك الأسباب التي قدر الله وصول ما يصل إلى العبد بواسطتها ، فقل من يتخطى من الأسباب إلى مسببها! قال الرازي في اللوامع : وقال الإمام محمد بن على الترمذي : إنما هو شك وشرك فالشك ضيق الصدر عند النوائب ، ومنه ثوب مشكوك ، والشرك تعلق القلب بالشيء ، وإنما يوسع الصدر نور اليقين ، وإنما يتخلص من الشرك بنور التوحيد ، فعند هذا يتولاه الله تعالى ، وقال الواسطي : إلا وهم مشركون : في ملاحظة الخواطر والحركات.
(أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
